الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٢ سبتمبر-٢٠٢٦       2090

بقلم:عبدالمحسن محمد الحارثي - النهار 

ليست كل الحروب بحاجة إلى جيوش تعبر الحدود، ولا كل الضغوط تبدأ بقرار معلن؛ فهناك مستوى أكثر هدوءًا وأشد تعقيدًا في العلاقات الدولية، حين لا تضرب الدولة خصمها مباشرة، وإنما تبحث في محيطه عن ورقة تؤلمه، ثم تضغط عليها.

 

إنها هندسة الخصومة.

 

فالدولة لا تعيش في جزيرة معزولة؛ حولها جيران، وفي تاريخها نزاعات، وعلى حدودها ملفات مؤجلة، وفي اقتصادها نقاط ضعف، وربما صنعت هي نفسها نفوذًا خارج حدودها أو استخدمت حلفاء وأوراقًا للضغط على الآخرين.

 

وهنا تبدأ السياسة في قراءة الخريطة لا من أعلاها، وإنما من شقوقها.

 

وقد أدرك سون تزو مبكرًا أن الصراع لا يُحسم بالقوة وحدها، بل بمعرفة مواضع القوة والضعف؛ فالمهارة ليست في مواجهة الخصم حيث يشتد، وإنما في دفعه إلى الالتفات حيث يضعف.

 

فإن كان للدولة خصم قديم؛ أمكن الاقتراب منه. وإن كان لها نزاع خامد؛ فقد يعاد تسخينه. وإن كان داخلها ملف قابل للضغط؛ دخل حسابات الخارج. وإن كانت تعتمد على ممر بحري أو سوق أو نظام مالي؛ تحولت الحاجة نفسها إلى ورقة تفاوض.

 

ولذلك لم تعد القوة تعني فقط امتلاك الطائرة والصاروخ، بل معرفة أين تضغط، ومتى، وبأي يد، وبأقل كلفة ممكنة.

 

وحين رأى كارل فون كلاوزفيتز أن الحرب امتداد للسياسة بوسائل أخرى ؛ فإنه فتح الباب لفهم الوجه المقابل أيضًا:

 

فالسياسة قد تكون حربًا بوسائل لا تبدو عسكرية.

 

قد تكون بعقوبة اقتصادية، أو بتحالف مفاجئ، أو بإحياء نزاع، أو بإسناد خصم إقليمي، أو بتحويل تكلفة التمدد الخارجي إلى عبء داخلي.

 

وهنا يبرز السؤال الأهم:

 

ماذا يحدث عندما تكون الدولة المستهدفة قد مارست الأسلوب نفسه على الآخرين؟

 

يبدأ غالبًا ارتداد السهم إلى راميه.

 

فمن استثمر انقسامات غيره قد يجد من يستثمر انقساماته، ومن حرّك أوراق الضغط في ساحات الآخرين قد يكتشف أن لديه هو الآخر أوراقًا مكشوفة.

 

ولهذا يمكن صياغة إحدى قواعد السياسة القاسية هكذا:

 

الدولة التي تفتح ملفات الآخرين ؛ عليها أن تتوقع يومًا أن يفتح الآخرون ملفاتها.

 

وليست المسألة انتقامًا عاطفيًا؛ فالدول تحسب الكلفة والعائد.

 

فإذا استطاعت دولة إشغال خصمها بحدوده بدل تمدده خارجها؛ فقد غيّرت اتجاه قوته. وإذا جعلته يدافع عن اقتصاده بدل تمويل مشاريعه الخارجية؛ فقد نقلت المعركة من ملعبه إلى ملعبها.

 

وهنا تقترب الفكرة من فلسفة جورج كينان في الاحتواء؛ فمواجهة الخصم لا تستلزم دائمًا حربًا شاملة، بل ضغطًا طويل النفس عند نقاط حساسة تتغير بتغير حركته.

 

وهذا هو جوهر هندسة الخصومة:

 

لا تواجه القوة كلها.. وزّع الضغط على مفاصلها.

 

ولعل أخطر ما في هذه الهندسة أنها تسمح للدولة الضاغطة أحيانًا بالبقاء بعيدًا عن الصورة.

 

فالذي يتحرك قد يكون دولة مجاورة، أو قوة محلية، أو عقوبات، أو أزمة شحن، بينما يبقى المهندس الحقيقي خلف الستار.

 

وكأن السياسة تقول لخصمها:

 

لن أحاربك بالضرورة.. سأجعل مشكلاتك تحاربك.

 

حتى مكيافيللي، وهو من أكثر من شرّحوا علاقة القوة بالمصلحة، تنبه إلى قيمة استثمار السخط داخل الدول، لكنه حذّر في الوقت نفسه من أن الخصومة المستثمرة قد لا تبقى دائمًا تحت السيطرة.

 

وهنا تكمن المفارقة؛ فأوراق الضغط ليست ملكًا دائمًا لمن يحركها.

 

فالحليف قد يغيّر اتجاهه، والخصومة قد تخرج عن نطاقها، والورقة التي استُخدمت ضد خصم قد تنقلب على من استخدمها.

 

ولهذا فإن خطأ الدول الأكبر هو الاعتقاد بأن قوتها خارج حدودها تعني حصانتها داخلها.

 

فكلما اتسعت دوائر الخصومة، اتسعت معها مساحة الاستثمار المضاد.

 

فالنفوذ قوة، لكنه قد يصبح عبئًا. والممر البحري مصدر قوة، لكنه قد يتحول إلى نقطة اختناق. والاقتصاد الكبير مصدر نفوذ، لكنه يحتاج بدوره إلى أسواق وممرات وشركاء.

 

وهكذا تكشف الجغرافيا والسياسة والاقتصاد حقيقة واحدة:

 

ليس السؤال كم تملك الدولة من أوراق، بل كم ورقة يملك الآخرون عليها.

 

ومن هنا يمكن قراءة كثير من الأحداث بطريقة مختلفة.

 

نزاع حدودي قد لا يكون مجرد نزاع.

 

دعم سياسي مفاجئ قد لا يكون مجرد تعاطف.

 

تقارب بين خصمين لدولة ثالثة قد لا يكون مصادفة.

 

وإعادة فتح ملف عمره عشرات السنين قد لا تعني أن التاريخ استيقظ فجأة؛ بل ربما تعني أن السياسة احتاجت إليه الآن.

 

هذه هي هندسة الخصومة:

 

أن تعرف أين يقع الجرح، ومتى يصبح الضغط عليه أكثر تأثيرًا من فتح حرب جديدة.

 

ولهذا فإن الدول الأكثر حصافة ليست فقط تلك التي تبني جيوشًا قوية، وإنما التي تقلل أوراق الآخرين عليها؛ تعالج انقساماتها، وتحسم نزاعاتها، وتنوع اقتصادها، ولا تترك في محيطها خصومات مجانية تنتظر من يلتقطها.

 

فالعدو البعيد لا يستطيع دائمًا الوصول إليك بنفسه..

 

لكنه قد يجد طريقه عبر خصم قريب.

 

وفي السياسة الدولية، أخطر الأسلحة ليست دائمًا تلك التي تُرى فوق الطاولة؛ بل ربما تكون ورقة صغيرة تحتها، يعرف صاحبها تمامًا متى يسحبها.