الكاتب :
التاريخ: ٠٤ أغسطس-٢٠٢٦       4785

بقلم - د. غالب محمد طه

هاتفني قائلًا: «سيكون سفري الأسبوع القادم، بحول الله «
تجمّدت يدي على الهاتف برهة، وداخلني شعور لم أستطع سبر غوره. لم أعرف أكان حزنًا على الفراق، أم مفاجأة الرحيل، أم شيئًا آخر لم أجد له اسمًا في تلك اللحظة.
«هل ما زلت معي؟ «
انتشلني صوته من شرودي.
قلت: «نعم، معك يا بروف «
لم تكن مفاجأتي في أن البروفيسور عبد العظيم نور الدين سيعود إلى السودان بعد عام قضاه في المملكة العربية السعودية، فرضته ظروف حربٍ أليمة يعرف الجميع سياقها؛ بقدر ما كانت في إدراكي أنني سأفقد ونسًا ورفقة. فقد جمعتني الغربة بهذا الأكاديمي السوداني، عرفته أستاذًا وصديقًا، وتعلمت منه، كما تعلم كثيرون، فن الإصغاء وأدوات العلاقات العامة والإعلام.
لا أعرف كيف تحوّل أثر تلك المكالمة إلى سؤال ظل يكبر في داخلي: ماذا يترك الإنسان من أثر في أمته قبل أن يمضي؟
سرت في جسدي رعشة ما زلت أذكرها حتى اليوم. تأملت السؤال طويلًا. لم يكن سؤالًا عن رجل يغادر مكانًا، ولا عن أستاذ يفارق تلميذًا، بل عن معنى الحضور نفسه.
هناك بدا لي أن كلمة «الأثر» أثقل مما نظن. فالأمة لا تحتاج إلى أسماء تُعلَّق على الجدران، ولا إلى سيرٍ ذاتية تتضخم. الأثر الحقيقي هو ما يجعل الأمة، بعد رحيلك، أقدر على الوقوف؛ أن تترك عقلًا أكثر وعيًا، أو طالبًا يكمل الطريق من بعدك، أو مؤسسةً لا تنهار حين يغادرها من بناها، ومعيارًا أخلاقيًا يصمد حين تصبح الأخلاق عبئًا، وكلمةَ حقٍ يجدها الناس حين تكثر الكلمات المضللة.
ربما لا يكون السؤال: كم أنجزنا؟ بل: كم شيئًا أصبح قادرًا على الاستمرار بعدنا؟
في أوقات الأزمات، يزداد هذا السؤال قسوة. فكل من يملك قدرة على التأثير يقف على ثغر، ولعل أعظم ما يفعله الإنسان أن يمنع انهيارًا صغيرًا قبل أن يكبر.
لم يكن السؤال عن البروفيسور وحده. كان عني وعنك، وعن كل واحد منا، مهما صغر موقعه. فنحن لا نكتشف قيمة بعض الناس إلا حين يخبروننا أنهم راحلون. يقول أحدهم: «سأسافر»، فنكتشف أن الأمر لم يكن مجرد سفر، بل حضورًا اعتدناه حتى صار جزءًا من حياتنا.
لكنني، وأنا أستعيد سنوات معرفتي بالبروفيسور، اكتشفت شيئًا آخر. كنت أظن أن أكثر ما تعلمته منه ما يمكن تدوينه. ثم اكتشفت أن أعظم ما بقي منه في نفسي لم يكن في محاضرة، بل في أشياء أصغر من أن تُسمى دروسًا، وأعمق من أن تُنسى.
لا أدري إن كان يعلم أنه علّمني الإصغاء، وربما قبل ذلك أدب الحوار. فبعض ما نتعلمه من الناس لا يأتي في صورة درس. قد نتعلمه من أستاذ يمنحك حضوره كاملًا حين تتحدث، أو من إنسان يمارس الأمانة كل يوم دون أن يتحدث عنها.
وهنا تكمن المفارقة. كان يعلّمنا العلاقات العامة والإعلام، لكن أثره الحقيقي لم يكن فيما قاله، بل فيما عاشه؛ خرج من سلوكه واستقر في ذاكرتنا دون قصد.
قضى الدكتور عبد العظيم عامًا في المملكة، لكنه عام لا يُقاس بعدد شهوره، بل بما حمله من وجوهٍ ألفها، وصداقاتٍ نشأت، وذكرياتٍ سترافقه بعد عودته. فالغربة لا تمنحنا مكانًا فحسب، بل تمنحنا أناسًا يصبحون، من حيث لا نشعر، جزءًا من حياتنا.
ونحن نكتب وننشر، ونظن أن ذلك هو الأثر. لكن ثمة أثرًا آخر لا تصنعه الخطط؛ يولد من كلمة قيلت في وقتها، أو فرصة منحتها ثم نسيتها، بينما ظل صاحبها يذكرها كلما تذكر الطريق الذي تغيّر بسببها.
ولعل أصدق الأثر ما يتركه الإنسان دون أن يدري.
ولم يعد السؤال متعلقًا بالبروفيسور وحده، بل بكل إنسان مرّ في حياتنا وترك فيها أثرًا. وكلنا، بدورنا، نترك شيئًا خلفنا، لكننا كثيرًا ما نؤجل السؤال الأصعب:
ماذا تركت أنا في الذين مروا بحياتي؟
ليس كم كتبنا، ولا كم منصبًا شغلنا، بل ماذا بقي من أخلاقنا وكلماتنا بعد أن ابتعدنا.
ولعل أكثر ما أخافني في تلك المكالمة أنني وجدت نفسي أسأل: ماذا سيبقى مني حين تنتهي رحلتي؟ هل سيذكرني أحد لأنني كنت حاضرًا حين لم يكن مطلوبًا مني سوى الحضور؟ أم أننا، في زحام ما نعدّه إنجازًا، ننسى أن أعظم ما ننجزه قد يكون إنسانًا واحدًا خرج من صحبتنا أفضل قليلًا مما دخلها؟
قد يزرع الإنسان في قلب أحدهم كلمةً أو موقفًا، ثم يمضي ظانًّا أن الأمر انتهى عند تلك اللحظة، بينما تبدأ آثارها الحقيقية بعد غيابه.
تغيّر شيء في داخلي منذ تلك المكالمة. لم يعد سؤال الرحيل مجرد تأمل في الغياب، بل صار اختبارًا للحضور.
أما البروفيسور عبد العظيم، فسيعود إلى وطنه، بحول الله. نسأل الله أن يبارك له في عودته وايامه، وأن يجزي المملكة العربية السعودية خير الجزاء على ما وجد فيها هو وكثير من أبناء السودان من احتواء كريم في سنوات المحنة.
وحين أغلقت الهاتف، بقي في نفسي أكثر من خبر سفر. بقي أثر إنسان سيظل حاضرًا، حتى وهو بعيد.
ما الذي يبقى منا؟
لعلنا لا نملك الإجابة كاملة. لكننا نملك أن نعيش مدركين أن كل كلمة، وكل موقف، وكل أثر نتركه في إنسان، قد يبقى بعدنا.
ففي النهاية، لن يكون ما نملكه حقًا إلا ما تركناه في حياة الآخرين.