الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٣ أغسطس-٢٠٢٦       55275

بقلم - مريم عرجون 

سلامٌ على أرضٍ إذا أقحلت وجوهُ الدهور، أخرجت من صمِّ الصخر بأسًا لا يلين، وأنبتت من مجادبها رجالًا إذا ادلهمَّت الخطوب كانوا لها عمدًا، وإذا استطار الشرر كانوا له غيثًا، وسلامٌ على حاضرةٍ كلما تكاثفت عليها غوائلُ الزمان، ضمَّت بين جوانحها قلبًا أخضر، لا تُطأطئه الرياح، ولا تُوهي عزيمتَه النوائب، حتى إذا جرى ذكرُ مولوديةِ الجزائر، هزَّت الأرضُ أكتافَها طربًا، وأصغت الدروبُ لوقع الاسم، واستفاق التاريخُ من رقدته، كأنما دُعي إلى مجلسٍ يعرف فيه وجوهَ أهله، ويستردُّ عهدًا ما خانته الأيام.

ما كانت مولوديةُ  الجزائر  نبتةَ ملعبٍ، ولا وليدةَ لهوٍ تتقاذفه الأقدام، ولكنها وُلدت يوم ضاقت الأرضُ بما حملت، واستوحشت الهويةُ من غربة أهلها، واستطال الغريبُ على الديار يريد أن يقتلع أصلها، ويطمر ذكرها في لجج النسيان، فانبثقت من صميم التراب كما ينبثق النبع من كبد الصخر، لا تستمد بقاءها من صخبٍ عارض، وإنما من عهدٍ قديمٍ عقدته الأرضُ مع رجالها، أن لا تُسلِّم ودائعها لطارقٍ، ولا تُورث مجدها لغازٍ.

وهناك، حيث كان الحديدُ يتكلم بلسان البطش، والسيفُ يظن أنه وارثُ البلاد، كانت الفكرةُ تشقُّ سبيلها في خفاء، كما يشق الفجرُ أستارَ الليل، وكانت الأرواحُ تتداعى إلى الحرية تداعي الغيث إلى الأرض المجدبة، حتى غدا اسمُ المولودية أولَ قبسٍ استضاءت به القلوب، وأولَ نفحةٍ ردَّت إلى النفوس يقينها بأن الديار لا تموت ما دام في ثراها من يحفظ العهد، وفي صدورها من يصون الذكر.

وما كانت الأرضُ يومئذٍ رقعةً تُقاس بحدودها، بل كانت ميثاقًا يُصان برجالها، فهي أعلمُ بمكر الغزاة من الغزاة أنفسهم، وأحفظُ للعهود من صحائفهم، كلما وطئت سنابكُ المعتدين أديمها، ازداد جذرها تشبثًا بقرارها، وكلما حسبوا أنهم أخمدوا جذوةً، هبَّ من رمادها لهيبٌ لا تُدرك له نهاية، هنالك لم يكن العميد اسمًا يُتلى في ساحات اللعب، بل كان رايةً انعقدت عليها القلوب، وعهدًا اجتمع عليه الناس، حتى صار الاجتماعُ حوله اجتماعًا على الجزائر، وصار الهتافُ باسمه قسمًا لا تنقضه الأيام، ولا تُوهنه الليالي.

ثم انبرى من أكنافها رجالٌ، ما كانت قامتُهم تُوزن بأشبار الأجساد، ولكن بمقادير العزائم، ولا تُعرف أقدارهم بطول الأعمار، ولكن بما خلّفوه من مآثرَ تُزاحم الدهر ولا يطويها الفناء، إذا استصرختهم الجزائر، كانوا أولَ الملبين، وإذا استنهضهم الثرى، لبّوه وقد جعلوا الأرواحَ أهونَ من أن تُمسك عن الحق، فمضوا يخطّون على أديم الأرض سفرًا لا تبلغه الأقلام، ولا تُحيط به صحائفُ الأخبار.

فخرّوا شهداء، وما خرّوا سقوطًا، ولكن ارتقوا إلى عهدٍ أبرموه مع التراب يوم أقسموا ألا يُسلِّموا الديارَ لطارق، ولا يُورثوا الهوانَ لمن بعدهم، فاستردتهم الأرض إلى جوفها استردادَ الأم ولدَها، وأودعت أسماءهم في صميم ثراها، حتى غدوا من أسرارها التي لا يُفصح عنها إلا النسيم إذا مرَّ بالرُّبى، أو المطر إذا انحدر على الروابي.

ومنذ ذلك اليوم، ما برحت  الجزائر  إذا هبَّت عليها الرياح، سُمِع في هبوبها دبيبُ خُطاهم، وإذا انسكب الغيث على أديمها، خُيِّل إلى الناظرين أن السماء تغسل وجوهَ أولئك الخالدين، وتُجدِّد بينهم وبين الأرض ميثاقًا لا تُبليه الأعوام، ولا تنقضه الليالي، لأن دم الشهيد إذا خالط التراب، لم يَعُد دمًا، بل صار روحًا تسري في الأرض، وحياةً تتوارثها الأجيال، وذكرًا تأبى الدهور إلا أن تُردِّده ما بقي في  الجزائر  حجرٌ يشهد، أو نسيمٌ يمر، أو قلبٌ يخفق بحبها.

وما التاريخ إلا أرضٌ إذا فقدت أبناءها بكت، وإذا عاد إليها ذكرهم ابتسمت، ولذلك لا يزال العميد يمشي وبين كتفيه زمنان، زمنٌ مضى وفي يده بندقية الحرية، وزمنٌ حاضر يحمل الراية ذاتها، لأن الرايات الصادقة لا يتغير لونها بتغير الأعوام، وإنما يزداد لونها عمقًا كلما اختلط بعرق الرجال ودم الشهداء.

أما الجماهير، فهي ليست جموعًا جاءت تبحث عن فرحٍ عابر، بل هي نهرٌ من الذاكرة، كل قطرةٍ فيه تحكي حكاية بيت، وكل موجةٍ منه تحفظ اسم شهيد، وكل هتافٍ يخرج من حناجرها إنما هو صدى أولئك الذين آمنوا أن الوطن أكبر من حدود الجغرافيا، وأن الأرض لا تكون وطنًا حتى يصبح الإنسان مستعدًا أن يصير جزءًا منها.

يا مولوديةَ الجزائر، يا ابنةَ الحاضرةِ التي حملت أثقالَ الدهر فلم تَلِنْ لها قناة، ويا سليلةَ أرضٍ أودعت شهداءَها في جوفها، فما خانت عهدًا ولا أضاعت ذكرًا؛ امضي على السَّنَن الذي شُقَّ لكِ، ولا تلتفتي إلى كأسٍ يذهب بريقُها إذا أدبر النهار، ولا إلى لقبٍ يذروه الزمان كما تذرو الريح هباءَ الرمال. فإن المجدَ ليس فيما تُعلِّقه الأيدي على الجدران، ولكن فيما تحفظه الأرضُ في أعماقها، وما تُودعه القلوبُ في سرائرها.

فإذا استوطنت الفكرةُ الترابَ، واستوطن الرجالُ العهدَ، ثم اختلطت دماؤهم بثرى الوطن، صاروا آيةً لا يبليها الدهر، وعهدًا لا تنقضه الأعوام. عندئذٍ تمضي ذكراهم في الأمة مسيرَ الروح في الجسد، خفيةَ الأثر، ظاهرةَ السلطان، لا تُبصرها الأبصار، ولكن تهتدي بها البصائر، وتجدها القلوب كلما خفقت راية، أو تعالى هتاف، أو جرى ذكرُ العميد على لسان جزائري، فيعلم أن من الرايات ما هو أمة، ومن الأندية ما هو ميثاق، ومن الأوطان ما يسكن الاسم، لا الحدود.