الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٣ أغسطس-٢٠٢٦       4015

بقلم: ريماس الصينية – صحفية في CGTN العربية

إذا سألت أحد العاملين في مجال التجارة الخارجية الصينية عن أكثر المنتجات التي كانت تحظى بشعبية في الأسواق العالمية قبل عشر سنوات، فمن المرجح أن يذكر الملابس والأثاث والأجهزة المنزلية. أما عند الحديث عن التغيرات التي شهدتها السنوات الأخيرة، فستكون الإجابة: السيارات الكهربائية، وبطاريات الليثيوم، ومنتجات الطاقة الشمسية.
لكن إذا طرحنا السؤال نفسه اليوم، فإن الإجابة بدأت تتجه نحو مجالات جديدة: الروبوتات، ونماذج الذكاء الاصطناعي، والأدوية المبتكرة.
وهذا التحول لا يمثل مجرد تغير في نوعية المنتجات المصدرة، بل يعكس تغيرا أعمق في مسار الصناعة الصينية، حيث تنتقل من الاعتماد على ميزة التكلفة إلى مرحلة تعتمد بصورة أكبر على الابتكار والتكنولوجيا.
من "الثلاثية القديمة" إلى "المنتجات المبتكرة الثلاثة الجديدة"
في بداية مرحلة الإصلاح والانفتاح، اعتمدت الصين على منتجات مثل الملابس والأثاث والأجهزة المنزلية لدخول الأسواق العالمية. وكان العنصر الأساسي الذي دعم الصادرات آنذاك هو ميزة الموارد البشرية والقدرة على الإنتاج واسع النطاق: تكلفة منخفضة، وكميات كبيرة، وقدرة تصنيع قوية.
وفي السنوات الأخيرة، جاءت السيارات الكهربائية وبطاريات الليثيوم ومنتجات الطاقة الشمسية لتشكل ما يعرف بـ"الثلاثية الجديدة"، مستفيدة من الاستثمار المبكر في مسار التحول الأخضر والقدرة على الإنتاج واسع النطاق.
أما في عام ٢٠٢٦، فتظهر مجموعة جديدة من المنتجات التي أصبحت تمثل أحدث صورة لـ"الصناعة الذكية الصينية": الروبوتات، والذكاء الاصطناعي، والأدوية المبتكرة.
وتشير بيانات الإدارة العامة للجمارك الصينية إلى أن حجم تجارة السلع الصينية خلال النصف الأول من عام ٢٠٢٦ تجاوز للمرة الأولى ٢٥ تريليون يوان صيني خلال الفترة نفسها من أي عام سابق، بزيادة بلغت ١٦.٩٪ على أساس سنوي. ومن بينها، بلغت صادرات المنتجات ذات التقنية العالية ٣.٢٦ تريليون يوان صيني ، بزيادة ٣٩٪.
وتتحول هذه المنتجات الثلاثة، التي يطلق عليها البعض "المنتجات المبتكرة الثلاثة الجديدة"، إلى بطاقة تعريف جديدة للصناعة الذكية الصينية.
ماذا تقول الأرقام؟
لنبدأ بالروبوتات.
خلال النصف الأول من عام ٢٠٢٦، بلغت قيمة صادرات الصين من الروبوتات الصناعية خلال النصف الأول من العام 6.29 مليار يوان صيني، بزيادة قدرها 18.6٪، حيث وصلت هذه المنتجات إلى 141 دولة ومنطقة حول العالم. أما صادرات الروبوتات الجراحية، فقد سجلت نموا أكثر لفتا للانتباه، إذ بلغت قيمتها 480 مليون يوان صيني، بزيادة قدرها 3.3 أضعاف على أساس سنوي، فيما ارتفع عدد الأسواق المصدرة إليها من 23 سوقا إلى 49 سوقا.
في بريطانيا، بدأت عدة شركات بيع بالتجزئة كبرى باستخدام روبوتات التخزين التي طورتها شركات صينية. وأشارت تقارير لهيئة الإذاعة البريطانية BBC إلى أن هذه الروبوتات تركز بشكل أساسي على نقل البضائع، وتساعد قطاع التجزئة البريطاني على مواجهة نقص العمالة وضعف نمو الإنتاجية. كما أوضحت التقارير أن الاستخدام الواسع لتقنيات الروبوتات أصبح عاملا مهما في رفع كفاءة الشركات، وأن الروبوتات الصينية بفضل قدراتها التصنيعية وتطورها التقني بدأت تغير أساليب الإنتاج في بعض القطاعات التقليدية البريطانية.
وفي أستراليا، تقوم روبوتات تنظيف طورتها الصين بأعمال "تسلق الجدران"، لتحل محل العمال الذين كانوا ينفذون عمليات تنظيف خطرة على ارتفاعات كبيرة. وفي تايلاند، تعمل الروبوتات الطبية الصينية على نقل الأدوية والعينات بشكل متواصل، مما يخفف الضغط على الموارد الطبية المحدودة.
أما في مجال الذكاء الاصطناعي، فتكتسب نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية اعترافا متزايدا من المطورين والشركات حول العالم.
ووفقا لمنصة OpenRouter العالمية المتخصصة في متابعة بيانات نماذج الذكاء الاصطناعي، بلغ حجم الاستدعاءات الأسبوعية لنماذج الذكاء الاصطناعي الصينية في الأسبوع الثالث من يوليو ٣٦.١١ تريليون وحدة نصية، لتحتل المرتبة الأولى عالميا للأسبوع الثاني عشر على التوالي.
كما أظهرت قائمة الاستخدام الشهري لنماذج اللغة الكبيرة في يوليو أن المراكز الستة الأولى جميعها كانت من نصيب نماذج ذكاء اصطناعي صينية مفتوحة المصدر طورتها شركات صينية.
وأشارت تقارير هيئة الإذاعة الأمريكية ABC إلى أن عددا متزايدا من الشركات والمطورين في الولايات المتحدة بدأوا يتجهون نحو نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية.
وقال كيرت ماينهولد، المسؤول التقني في إحدى الشركات بولاية كارولاينا الشمالية، إنه أصبح يميل أكثر إلى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي الصينية في مهام يومية مثل البحث عن فرص تجارية أو إعداد خطط للمبيعات، موضحا: "معظم الناس لا يحتاجون إلى نماذج معقدة ومتقدمة ومكلفة للغاية، بل يحتاجون فقط إلى أدوات فعالة وسهلة الاستخدام وتلبي احتياجاتهم".
وفي البرازيل، تساعد نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية في تشغيل وصيانة شبكات الكهرباء المحلية، وحل تحديات التفتيش في البيئات المعقدة.
الأدوية المبتكرة: من البحث والتطوير إلى الأسواق العالمية
أما في مجال الأدوية المبتكرة، فقد شهد التعاون الدولي للشركات الدوائية الصينية نموا ملحوظا.
خلال النصف الأول من عام ٢٠٢٦، أبرمت الصين ٨١ اتفاقية تعاون في مجال ترخيص الأدوية المبتكرة للخارج، بقيمة إجمالية بلغت نحو ١١٠ مليارات دولار أمريكي، وهو ما يعادل ٨٠٪ من إجمالي قيمة هذه الصفقات خلال عام ٢٠٢٥ بأكمله، مسجلة رقما قياسيا جديدا.
وشملت هذه الصفقات ١٠ مجالات علاجية رئيسية، من بينها الأورام، وأمراض الأيض، والمناعة، والأمراض العصبية. كما جاءت الشركات المستفيدة الرئيسية من الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا وغيرها من ٢٠ دولة ومنطقة.
وفي قائمة أكبر عشر صفقات عالمية في مجال الأدوية، احتلت الشركات الدوائية الصينية ثمانية مراكز. ومن بين ٣٨ دواء مبتكرا تمت الموافقة عليه خلال الفترة نفسها، هناك ١١ دواء جديدا يعتمد على أهداف علاجية وآليات مبتكرة، تم تطويرها بالكامل بواسطة شركات صينية بشكل مستقل.
ولفتت صحيفة ليبراسيون الفرنسية إلى أن الصين، بفضل نظام الإنتاج المتكامل، وسلاسل الصناعة الكاملة، وتأثير الحجم الكبير، أصبحت قادرة على طرح أدوية مبتكرة بأسعار أقل بكثير من نظيراتها الأوروبية والأمريكية في العديد من الحالات.
وأشار التقرير إلى أن بعض علاجات السرطان، بعد إدراجها ضمن نظام التأمين الصحي الفرنسي، ساعدت في توفير عشرات الآلاف من اليوروهات سنويا لكل مريض.
وربما تلخص كلمات المدير العام لشركة ميرك للصحة والحياة في الصين مانفريد مولر هذا التحول، إذ قال: "الصين ليست فقط ثاني أكبر سوق منفرد لشركة ميرك عالميا، بل أصبحت أيضا مصدرا للابتكار ونقطة ارتكاز استراتيجية".
لماذا يحدث هذا الآن؟
قبل أكثر من ألفي عام، قدّم المفكر الصيني القديم موزي تعريفا لمفهوم "القوة"، فقال: "القوة هي ما يمكّن الجسد من بذل الجهد". أي أن القوة هي ما يدفع الأشياء إلى الحركة ويجعل التغيير ممكنا. وعند النظر إلى هذه المقولة اليوم، نجد أنها ما تزال تحمل دلالة عميقة. فالابتكار العلمي والتكنولوجي هو تلك "القوة" التي تقف وراء صعود المنتجات المبتكرة الثلاثة الجديدة: الروبوتات والذكاء الاصطناعي والأدوية المبتكرة، وتدفعها من مرحلة البحث والتطوير إلى التطبيق العالمي.
خلال السنوات الخمس الماضية، نما الإنفاق الصيني على البحث والتطوير في مختلف القطاعات بمعدل سنوي بلغ ١٠٪، ليظل حجم الاستثمار في المرتبة الثانية عالميا.
وفي الوقت نفسه، تمتلك الصين واحدة من أكثر منظومات التصنيع اكتمالا في العالم، وهذه المنظومة لا تتوقف عن التطور والتحديث.
فمن تصنيع مكونات الروبوتات، إلى البنية التحتية للحوسبة اللازمة لنماذج الذكاء الاصطناعي، وصولا إلى التجارب السريرية والإنتاج واسع النطاق للأدوية المبتكرة، تشكل هذه القطاعات سلسلة مترابطة تدعم بعضها بعضا.
إضافة إلى ذلك، يوفر السوق الصيني الذي يضم أكثر من مليار وأربعمئة مليون  نسمة و  مساحة واسعة لتطبيق التقنيات الجديدة واختبارها. فعندما يتم تشغيل تقنية ما أولا على نطاق واسع داخل الصين، فإنها تدخل الأسواق العالمية بعد أن تكون قد خضعت للتجربة والتطوير.
ويرى الأمين العام لغرفة التجارة المصرية الصينية ضياء حلمي أن "الصين، من خلال التزامها بالانفتاح عالي المستوى، تمكنت من بناء منظومة ابتكار متميزة وتحقيق تنمية عالية الجودة ومستدامة في العديد من القطاعات، وهو ما يقدم نموذجا يمكن الاستفادة منه عالميا".
وأضاف أن الصين تعمل على توسيع التعاون الدولي في مجالات مثل الطاقة الجديدة والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، في وقت تسرع فيه مصر أيضا خطواتها في مجالات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، ما يفتح آفاقا واسعة للتعاون بين البلدين.
وفي نهاية عام ٢٠٢٥، زار عدد من رجال الأعمال والصناعيين المصريين مصنع "المنارة" التابع لشركة ساني للصناعات الثقيلة في مدينة تشانغشا الصينية، وشاهدوا بشكل مباشر كيف تحقق  الصناعة الذكية الصينية  دقة تصل إلى مستوى المليمتر، إلى جانب إدارة مرنة لكامل مراحل الإنتاج.
وقال أعضاء الوفد بعد الزيارة: "ما رأيناه ليس مجرد تكنولوجيا، بل اتجاه مستقبل الصناعة. نحن لا نتطلع إلى نقل أحادي الاتجاه، بل إلى خلق المستقبل معا".
ماذا يعني ذلك للعالم؟
إن خروج "المنتجات المبتكرة الثلاثة الجديدة" إلى الأسواق العالمية لا يعني فقط أن الصين تصدر المزيد من المنتجات، بل إن تأثيرها أصبح يغير حياة أشخاص وأعمال محددة حول العالم.
في جنوب شرق آسيا، تساعد تقنيات الذكاء الاصطناعي الصينية الشركات الصغيرة والمتوسطة على تحقيق التحول الذكي وتقليص الفجوة الرقمية.
وفي أمريكا الجنوبية، ساهم نظام توزيع طلبات سيارات الأجرة عبر التطبيقات الذي طورته شركات صينية اعتمادا على تقنيات الاستشعار عن بعد، في ظهور نماذج خدمات جديدة مثل التنقل بالدراجات النارية وخدمات التوصيل عبر التطبيقات.
وقد لا تظهر هذه التغيرات دائما في العناوين الرئيسية للأخبار، لكنها تعمل بشكل تدريجي على خلق فرص عمل، ورفع الكفاءة، وتحسين مستوى الحياة.
وعلى مستوى التكلفة، فإن منظومة المصادر المفتوحة التي تدعمها الصين في مجال الذكاء الاصطناعي تتيح للشركات الصغيرة والمتوسطة والدول النامية الوصول إلى قدرات الذكاء الاصطناعي بتكلفة أقل.
ويقدم تقرير صادر عن مورغان ستانلي مثالا على ذلك، إذ أشار إلى أن غياب المشاركة الصينية كان سيؤدي إلى ارتفاع تكلفة تطوير سلسلة توريد الروبوتات البشرية لشركة تسلا عدة أضعاف.
وكتب العقيد المتقاعد في القوات الجوية الباكستانية والخبير في الشؤون الصينية سلطان حالي في مقال له أن تجربة التحديث الصيني تؤكد أن الابتكار العلمي والتكنولوجي ليس فقط محركا مهما لتنمية أي دولة، بل يمكن أيضا، من خلال التعاون الدولي المفتوح، أن يوفر فرصا تنموية للدول الأخرى.
من الملابس إلى الطاقة الجديدة، ومن الطاقة الجديدة إلى التكنولوجيا الذكية، تتغير المنتجات التي تصدرها الصين، لكن المنطق الأساسي لم يتغير: تحويل القدرات التي تمتلكها إلى منتجات تنافسية، ثم مشاركة نتائجها مع من يحتاج إليها.
فالانفتاح يقود إلى التقدم، بينما يؤدي الانغلاق حتما إلى التراجع، وهذه قاعدة أساسية في تطور الصناعات العالمية.
إن "المنتجات المبتكرة الثلاثة الجديدة" التي تقود المستقبل لا تمثل فقط محركا جديدا للنمو الاقتصادي الصيني، بل أصبحت أيضا قوة مهمة لتعزيز التنمية المشتركة بين الدول.
فعندما تدخل الروبوتات الصينية إلى مستودعات بريطانيا، وتساعد نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية في فحص شبكات الكهرباء في البرازيل، وتصل الأدوية المبتكرة الصينية إلى نظام التأمين الصحي الفرنسي، فإن ذلك ليس مفهوما نظريا، بل وقائع تحدث بالفعل.
وهذا يوضح أن التنمية الصينية لا تعني للعالم صدمة أو تهديدا، بل فرصا وامكانيات .