الكاتب :
التاريخ: ٠٤ أغسطس-٢٠٢٦       4730

بقلم - علي بن عيضة المالكي
تبدأ الأخطاء بخطوة تبدو هادئة، ثم تتسع دائرتها مع كل قرار يفتقد البصيرة، حتى تتشابك تفاصيلها داخل النفس، فتغدو شبكة يصعب الإفلات من خيوطها. عند تلك اللحظة يفقد الإنسان القدرة على النظر إلى ما مضى بوصفه تجربة تمنحه النضج، ويجد نفسه أمام رصيد ثقيل من الحسرة يرافق أفكاره ويؤثر في اختياراته، فتتحول الذاكرة إلى مستودع يحتفظ بكل ما أهمله العقل يومًا، وكل ما تجاهله الضمير حين سنحت فرصة المراجعة.
الانجراف لا يمثل الخطر الأكبر في حياة الإنسان، فالتجربة تفتح أبوابًا للنضج، والتعثر يمنح العقل خبرة لا تمنحها الطرق الممهدة. الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتشابك الإخفاقات، ويتداخل أثرها، فتفقد النفس قدرتها على التمييز بين بداية الطريق ونهايته. هناك تولد فوضى التجاوزات وتتراكم الأخطاء؛ فوضى لا يمكن قياسها بعدد المواقف، وإنما بحجم التشوه الذي تتركه في التفكير، حتى يغدو القرار الجديد امتدادًا لقرار سابق، ويصبح الدفاع عن الخطأ عادة تسبق البحث عن الحقيقة.
كل خطأ يرفض صاحبه مراجعته يضع حجرًا جديدًا في بناء الندم. ومع مرور الأعوام ترتفع الجدران بصمت، حتى يجد الإنسان نفسه داخل بناء صنعه بيديه. يحاول الخروج، فيصطدم بقرارات مؤجلة، وفرص ضائعة، وكلمات تأخر موعدها، ووجوه غادرت بعدما أنهكتها محاولات البقاء. عندها يدرك أن الندم لا يولد في لحظة واحدة، وإنما ينمو بهدوء، ويجمع تفاصيل العمر كما تجمع الذاكرة صور الطفولة، ثم يحتفظ بها في مكان لا تغادره بسهولة.
تتعدد صور فوضى الأخطاء، غير أن جذورها تلتقي عند نقطة واحدة؛ رفض المراجعة. تاجر أغرته الأرباح السريعة، فقدم المكسب على الأمانة، ثم وجد أن الثقة التي فقدها لا تعود بسهولة. مسؤول أغلق بابه أمام الرأي المخالف، فصار يسمع صدى صوته وحده، حتى اتسعت دائرة القرار الخاطئ، وضاقت مساحة النجاة. أب ظن أن توفير المال يغني عن حضوره، ثم اكتشف بعد أعوام أن أبناءه كبروا وهم يعرفون اسمه أكثر مما يعرفون دفء قلبه. شاب أرجأ الاعتذار مرة بعد أخرى، ثم سبقته الأيام إلى باب أغلقه الفراق، فبقي يحمل سؤالًا يرافقه كلما استعاد تلك الذكرى: ماذا لو بادرت؟
فوضى الأخطاء لا تطرق أبواب الأفراد وحدهم، فهي تعبر إلى المؤسسات، وتصل إلى الدول، وتترك آثارها في الاقتصاد والسياسة والثقافة. صفحات التاريخ تحمل أمثلة لا تنتهي لقادة تجاهلوا إشارات الخطر، ومؤسسات تعاملت مع نجاحها بوصفه نهاية المنافسة، ففقدت مكانتها عندما تغيرت الظروف. الكارثة لم تبدأ مع السقوط، وإنما بدأت يوم تعامل أصحاب القرار مع المراجعة على أنها ترف، ومع النقد على أنه خصومة، ومع الثقة على أنها ضمان دائم.
ومن فوضى الإنزلاق الخاطئ أيضًا، أن ينهض الأخ الأكبر بعد وفاة الأب بحمل الأسرة على كتفيه، فيؤجل تعليمه، ويؤخر زواجه، أو يهمل أبناءه إن كان متزوجًا ويستهلك سنوات شبابه بين أبواب العمل ومتطلبات إخوته، حتى يكبروا ويشتد عودهم. كانت تضحيته في بدايتها عهدًا مع الوفاء، ثم تتحول مع مرور الأعوام إلى ذكرى منسية في نفوس بعضهم.
وحين تستقيم حياة الإخوة الصغار، ويبلغون ما كانوا يحلمون به، يقع بعضهم في خطأ أشد قسوة من الحاجة نفسها؛ يتنكرون لمن كان سببًا بعد الله في وقوفهم على أقدامهم، ويعيدون كتابة الحكاية وكأن الطريق فُتح لهم وحده، وكأن الأعوام التي أفناها الأخ الأكبر بين مسؤوليات الأسرة لم تكن يومًا جزءًا من نجاحهم.
ذلك التنكر لا يسلب إنسانًا حقه المعنوي فحسب، إنه يترك في القلب ندبة يصعب اندمالها، ويهدم جسور المودة التي تم تشييدها بالتعب والصبر. فالوفاء لا يوزن بحجم الكلمات، وإنما بحفظ الجميل، ورد الفضل إلى أهله، وصيانة العلاقات من الجحود الذي يحول أعظم التضحيات إلى أكثر الذكريات إيلامًا.
السؤال الذي يفرض حضوره هنا يتجاوز الخطأ ذاته؛ لماذا يواصل الإنسان الطريق، مع أنه يرى آثاره تتكرر أمامه؟ لأن النفس تميل إلى حماية صورتها، فتبحث عن التبرير قبل البحث عن الحقيقة، وتدافع عن القرار قبل مراجعته، وتتهم الظروف قبل مساءلة الذات. مع كل تبرير تتراجع مساحة البصيرة، ويزداد حضور المكابرة، حتى يصبح الرجوع أثقل من الاستمرار، رغم أن كلفة الاستمرار تتضاعف مع كل خطوة.
كم من علاقة انتهت لأن كلمة اعتذار تأخرت أيامًا قليلة. كم من مشروع انهار لأن صاحبه تجاهل نصيحة صادقة جاءت في وقتها. كم من موهبة ذبلت لأن الكسل أقنع صاحبها أن الغد يحمل فرصة أفضل. كم من إنسان حمل في ذاكرته أسماء كان يستطيع الاحتفاظ بها لو منح الحكمة فرصة تسبق الانفعال. تلك الصور لا يجمعها موقف واحد، وإنما يجمعها قانون واحد؛ الخطأ الذي يجد تبريرًا يتكاثر، والخطأ الذي يجد مراجعة يتراجع.
ومن الأخطاء التي تستنزف الأسرة بصمت، تأجيل قسمة الميراث بين الورثة. يبدأ الأمر تحت عناوين تبدو مقبولة؛ انتظار ظرف أفضل، أو مراعاة أحد الأبناء، أو تأجيل الحديث خشية الخلاف. ثم يتحول التأجيل إلى نزاع مفتوح، وتتحول الحقوق الواضحة إلى مواضع جدل، وتفسح الأيام المجال للظنون كي تتسلل إلى النفوس.
عندها يتراجع حضور صلة الرحم، وتفقد المجالس دفئها، وتغيب الزيارات، ويصبح المال محورًا لكل لقاء. وقد يرحل أحد الورثة قبل أن ينال حقه، فتنتقل القضية إلى جيل جديد، وتتداخل الأنصبة، وتتعقد المطالب، ويتضاعف حجم الخلاف مع كل انتقال.
كم من علاقة انطفأت بسبب ميراث لم يقسّم في وقته، وكم من إخوة فرقتهم حقوق كان العدل كفيلاً بحفظها منذ البداية. فالخطأ هنا لا يقف عند حدود المال، لكنه يمتد إلى الثقة، وإلى المحبة، وإلى تاريخ أسرة كاملة. وما تهدمه الخصومات المتراكمة تعجز الأموال عن إعادته كما كان؛ لهذا، فإن سرعة إنهاء قسمة الميراث وفق أحكام الشرع والعدل تمثل حماية للحقوق، وحفظًا للنفوس، وصونًا لروابط الأسرة من تصدعات تبدأ صغيرة ثم تتسع حتى تبتلع سنوات من الود والتراحم.
ومن يتأمل سير الناجحين يدرك أن تفوقهم لا يعود إلى قلة أخطائهم، وإنما إلى سرعة وقوفهم أمامها. المراجعة تمنح القرار فرصة جديدة، والاعتراف يفتح أبواب التصحيح، والتواضع يحفظ للعقل قدرته على التعلم. تلك الصفات لا تمحو الماضي، غير أنها تمنع تراكمه، وتحول دون امتلاء الذاكرة بما يثقلها كلما تقدمت السنون.
إنّ الحياة تمنح الإنسان فرصًا كثيرة، غير أنها لا تمنحه القدرة على استعادة كل فرصة ضاعت. ولهذا تبقى الحكمة أعظم استثمار يملكه الإنسان، لأنها توقف  فوضى الأخطاء  قبل أن تتحول إلى تاريخ شخصي مثقل بالحسرة. كل مراجعة صادقة تخفف حمل الذاكرة، وكل مكابرة تضيف صفحة جديدة إلى سجل لا يقرأه أحد، سوى صاحبه حين يخلو إلى نفسه.
آخر الكلام: يكتشف الإنسان أن أثقل ما يحمله فوق كتفيه لا يتمثل في خسارة مال، أو منصب، أو مكانة، إن الخسارة تكمن في ذلك المخزون الذي تراكم في أعماقه بصمت؛ مخزون من الندم صنعته أخطاء لم تتلقَّ شجاعة المراجعة في وقتها. عندها تتجلى الحقيقة في أوضح صورها:  فوضى الأخطاء  لا تنتهي عند لحظة وقوعها، إنها  تمتد حتى تعيد تشكيل الذاكرة، وتترك في الروح أثرًا لا تنساه الأيام، ولا يخففه سوى عقل يملك شجاعة الاعتراف، وحكمة التصحيح، وبصيرة تعيد ترتيب الطريق قبل أن يتسع مخزون الندم إلى الحد الذي يبتلع ما تبقى من العمر.