بقلم - طارق محمود نواب
شهد العالم خلال العقدين الأخيرين تحولًا جذريًا في مصادر التنشئة الاجتماعية. فبعد أن كانت الأسرة والمدرسة والمسجد والمجتمع المحلي هي المؤسسات الأكثر تأثيرًا في تشكيل شخصية الفرد برزت المنصات الرقمية بوصفها فاعلًا جديدًا يمتلك قدرة غير مسبوقة على توجيه السلوك وصياغة القيم. ولم تعد الخوارزميات مجرد أدوات تقنية لتنظيم المحتوى بل أصبحت منظومات قادرة على التأثير في أنماط التفكير وتشكيل الاهتمامات وإعادة ترتيب الأولويات ولا سيما لدى الأطفال الأجيال الصاعدة.
وتقوم الخوارزمية على تحليل البيانات ورصد السلوك الرقمي للمستخدم ثم تقديم محتوى يتوافق مع اهتماماته السابقة بهدف زيادة مدة الاستخدام ومعدلات التفاعل. وهي في جوهرها منظومة تقنية لا تعرف مكارم القيم ولا تُجيد التربية ولا تفقه معنى الضمير لأنها لا تعمل وفق معايير أخلاقية بل وفق مؤشرات رقمية تقيس النقرات والمشاهدات ووقت البقاء على المنصة. ولذلك فإن المحتوى الذي تحفزه الخوارزمية ليس بالضرورة الأكثر فائدة أو جودة بل قد يكون الأكثر قدرة على جذب الانتباه وإثارة التفاعل.
ومن هنا يبرز سؤال جوهري فهل ما زالت المنظومة الاجتماعية والتربوية تمتلك التأثير ذاته الذي كانت تمتلكه قبل الثورة الرقمية؟ فتشير دراسات عديدة إلى أن الأطفال والناشئة يقضون ساعات طويلة يوميًا أمام الأجهزة الذكية وهو ما يجعل المنصات الرقمية شريكًا مؤثرًا في بناء معارفهم وتكوين اتجاهاتهم. وتزداد خطورة هذا التأثير عندما يحل المحتوى الرقمي محل الحوار الأسري أو عندما تصبح الشخصيات المؤثرة في وسائل التواصل أكثر حضورًا من الوالدين والمعلمين.
ولا تكمن المشكلة في التقنية ذاتها فالتقنيات الحديثة قدمت فرصًا تعليمية ومعرفية هائلة وفتحت آفاقًا واسعة للتعلم والتواصل وإنما تكمن في غياب التوجيه والاستخدام الواعي. فالخوارزمية مصممة لتعظيم التفاعل وليس لتعظيم الفائدة وقد تدفع المستخدم إلى محتوى أكثر إثارة أو جدلًا بصرف النظر عن قيمته العلمية أو الأخلاقية.
ولذلك أصبحت التربية الرقمية ضرورة اجتماعية وليست خيارًا تربويًا. فالمطلوب اليوم ليس منع الأبناء من استخدام التقنية بل تنمية التفكير النقدي لديهم وتعزيز قدرتهم على التمييز بين المعرفة والمعلومات وبين الحقيقة والتضليل وبين الشهرة والقيمة. كما أن الأسرة والمدرسة مطالبتان بتطوير أساليبهما بما يتناسب مع البيئة الرقمية الجديدة حتى لا تتركا فراغًا تملؤه الخوارزميات.
ولعل بناء جيل قادر على التعامل مع البيئة الرقمية يتطلب تكامل الأدوار بين الأسرة والمدرسة والمؤسسات التعليمية والإعلامية. فالتربية لم تعد مسؤولية جهة واحدة بل أصبحت مسؤولية مجتمعية مشتركة تستهدف بناء شخصية تمتلك الوعي والقدرة على الاختيار والمسؤولية في التعامل مع المحتوى الرقمي.
ولاشك ان مستقبل المجتمعات لن تحدده قوة التقنية وحدها بل قدرة الإنسان على إدارتها وتوجيهها. فكلما ازدادت سرعة التطور الرقمي ازدادت الحاجة إلى ترسيخ القيم وبناء الوعي وتعزيز المسؤولية الفردية. ويبقى السؤال الذي يستحق التأمل إذا كانت الخوارزميات تُسهم في تشكيل العقول فمن يُربّي جيل الخوارزمية؟