بقلم : د. منى يوسف الغامدي
ليست جميع الزيارات تُقاس بعدد القاعات التي نزورها، ولا بعدد الكلمات التي نستمع إليها، فثمة زيارات نغادرها وقد تبدل في داخلنا شيء من نظرتنا إلى الإنسان، وإلى معنى العطاء، وإلى قيمة الوطن حين يفتح ذراعيه لكل أبنائه دون استثناء.
هكذا خرجت من زيارتي لملتقى طيبة الصيفي لذوي الإعاقة بمدينة طيبة التعليمية.
لم يكن ما رأيته برنامجًا صيفيًا عابرًا، ولا فعالية موسمية تنتهي بانتهاء أيامها، بل كان مشروعًا إنسانيًا متكاملًا، يترجم على أرض الواقع ما تؤمن به المملكة العربية السعودية من أن الإنسان هو محور التنمية، وأن تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة ليس منحة، بل حق أصيل، ومسؤولية وطنية، واستثمار في طاقات قد لا ترى العين حدودها، لكنها تظهر حين تجد البيئة التي تؤمن بها.
منذ اللحظة الأولى للزيارة، بدا واضحًا أن العمل هنا لا يُدار بالاجتهادات الفردية، وإنما بمنهجية مؤسسية دقيقة. فقد اطلعت على الخطط التنفيذية للملتقى، ومسارات برامجه، وآليات توزيع الأدوار، فوجدت رؤية تربوية واضحة، وأهدافًا تتجاوز الترفيه إلى بناء الشخصية، وتنمية المهارات، وتعزيز الاستقلالية، وإيجاد بيئة دامجة يشعر فيها كل مشارك بأنه عضو فاعل في المجتمع.
ولعل أكثر ما لفت انتباهي أن كل فعالية تحمل رسالة. فلا نشاط يُنفذ لمجرد ملء الوقت، ولا برنامج يُقام لمجرد التنوع، بل إن وراء كل ركن هدفًا تربويًا، ووراء كل لعبة مهارة تُكتسب، ووراء كل ورشة فرصة جديدة لاكتشاف موهبة أو بناء ثقة أو رسم ابتسامة.
وفي أروقة الملتقى، كانت الابتسامات تتحدث أكثر من الكلمات.
رأيت أطفالًا وشبابًا لا تعرّفهم إعاقتهم، بل تعرفهم أحلامهم. رأيت أعينًا يملؤها الشغف، وأيدي تصنع وتبتكر، وأرواحًا تؤكد أن الإنسان لا تُقاس قيمته بما يعجز عنه، بل بما يستطيع أن يقدمه حين يجد من يؤمن به.
وكان المشهد الأكثر تأثيرًا بالنسبة لي هو حضور الأسرة.
فأولياء الأمور لم يكونوا متفرجين يجلسون على المقاعد، بل كانوا شركاء حقيقيين في صناعة التجربة. يشاركون أبناءهم الأنشطة، ويسهمون في تنفيذ عدد من الفعاليات، ويتفاعلون مع البرامج بروح الأسرة الواحدة. وهذا المشهد لا يعكس نجاح الملتقى فحسب، بل يكشف عن وعي مجتمعي متنامٍ بأن تمكين ذوي الإعاقة مسؤولية مشتركة، تبدأ من الأسرة، وتعززها المؤسسة، ويحتضنها المجتمع.
كما أن ما لمسته من تزايد في أعداد المشاركين عامًا بعد عام، والنمو الملحوظ في أعداد المتطوعين، يؤكد أن ملتقى طيبة الصيفي تجاوز كونه برنامجًا محليًا، ليصبح تجربة مجتمعية رائدة، اكتسبت ثقة المجتمع، وأصبحت مقصدًا للأسر، ومنصةً للشباب الراغبين في العطاء، وميدانًا لترسيخ ثقافة التطوع بوصفها إحدى القيم التي تعززها رؤية المملكة 2030.
إن المتطوعين الذين رأيتهم يعملون بحماس، ويقدمون وقتهم وجهدهم بمحبة وإخلاص، كانوا يمثلون وجهًا آخر من وجوه هذا الوطن؛ وطن يؤمن بأن خدمة الإنسان أعظم صور الانتماء، وأن العمل التطوعي ليس ساعات تُسجل، بل أثر يبقى في النفوس.
ولم يكن النجاح الذي شهدته وليد الصدفة، بل هو ثمرة قيادة واعية، وإدارة مؤمنة برسالتها، وكوادر تعليمية ومتخصصة أدركت أن بناء الإنسان لا يبدأ داخل الفصول الدراسية فقط، بل في كل مساحة تمنحه فرصة ليجرب، ويتعلم، ويخطئ، وينجح، ويشعر بقيمته.
وأنا أغادر مدينة طيبة التعليمية، أدركت أن أجمل ما يمكن أن تصنعه المؤسسات ليس المباني الحديثة، ولا التجهيزات المتطورة، بل الإنسان الواثق بنفسه، والأسرة المطمئنة، والمجتمع الذي يحتفي بجميع أفراده دون تمييز.
إن ملتقى طيبة الصيفي لذوي الإعاقة ليس مجرد قصة نجاح لمؤسسة تعليمية، بل هو نموذج وطني جدير بالتوثيق، وتجربة تستحق أن تُنقل إلى مختلف مناطق المملكة، لأنها تقدم مفهومًا متقدمًا للتمكين، وتجسد بأبهى صورها قيم الرحمة، والعدالة، والشراكة، وجودة الحياة.
ويبقى أجمل ما حملته معي من هذه الزيارة، أنني لم أرَ أشخاصًا يبحثون عن الرعاية، بل رأيت وطنًا يكتب فصلاً جديدًا من فصول حضارته؛ حضارةٍ تجعل الإنسان غايتها، والكرامة عنوانها، والأمل لغتها، والتمكين طريقها.
وعلى المستوى الشخصي شعرت بالسعادة تغمرني وأنا استحضر ذكريات عملي الاشرافي في محافظة ينبع مع معلمة من معلمات الملتقى والتي كانت تعمل قبل اكثر من عقد من الزمان في مدارسها وتيقنت من أن الأثر يبقى مهما طال الزمان واستشعرت نعمة الله علي بأنني عملت مبكراً في المجال الإشرافي الذي من خلاله عرفت نماذج مضيئة من الكوادر البشرية التي يفتخر بها وطني.
وهكذا تصنع الأمم العظيمة مستقبلها… حين تبتسم لجميع أبنائها، وتؤمن بأن لكل إنسان مكانًا، ولكل موهبة فرصة؛ولكل ابتسامة قصة تستحق أن تُروى.