الكاتب : النهار
التاريخ: ١١ يوليو-٢٠٢٦       3795

بقلم ـ الدكتور / سعود عقل
لقد شاهدت مثل غيري من خلال متابعتي في وسائل التواصل الاجتماعي عن تداول افلاس اكثر من (300) منشأة خلال الست اشهر الماضية من عام 2026 وهذا الرقم غير صحيح ، هناك شركات تقدمت بطلب لاجراءات الافلاس ولكن لاتزيد عن30 شركة ، بينما في نفس الفترة تم تسجيل مايقارب(39,217 ) شركة جديدة حسب إحصاءات وزارة التجارة ،وبناء على ذلك اكتب لكم هذا المقال من موقعي كعضو في جمعية رواد الأعمال وبحكم اطلاعي عن قرب على بعض المشاريع الناشئة حيث في كل يوم نسمع عن مشروع صغير انطلق من فكرة متواضعة، ثم تحول إلى علامة تجارية معروفة، وفي المقابل نقرأ عن مشاريع أخرى أغلقت أبوابها بعد أشهر قليلة من افتتاحها، رغم أنها بدأت برأس مال أكبر وربما في موقع أفضل. وهذا يطرح سؤالاً يستحق التأمل: هل النجاح في عالم الأعمال مسألة حظ، أم أنه نتيجة عوامل يمكن فهمها والاستفادة منها؟
من واقع الاطلاع على التجارب، لا يبدو أن رأس المال هو العامل الحاسم في نجاح المشروع، بل إن حسن الإدارة هو الفيصل الحقيقي. فكثير من المشاريع بدأت بإمكانات محدودة، لكنها اعتمدت على التخطيط، وقراءة السوق، والإنصات للعميل، حتى أصبحت نماذج ناجحة. وفي المقابل، تعثرت مشاريع امتلكت التمويل، لكنها افتقدت الرؤية والإدارة.
ومن أبرز أسباب التعثر أن بعض رواد الأعمال يقعون في حب الفكرة قبل التأكد من حاجة السوق إليها. فالإعجاب بالمشروع لا يعني أن المستهلك سيقبل عليه، كما أن تقليد مشروع ناجح في مدينة أو حي آخر لا يضمن تكرار النجاح في مكان مختلف. السوق له خصوصيته، والعميل له احتياجاته، والنجاح يبدأ من فهمهما.
كما أن هناك من يخلط بين افتتاح المشروع وإدارته. فالافتتاح هو بداية الطريق، أما النجاح الحقيقي فيتحقق بالمتابعة اليومية، وقياس الأداء، وضبط المصروفات، وتطوير الخدمة، ومعالجة الأخطاء قبل أن تتفاقم. الإدارة ليست عملاً مكتبياً، بل هي حضور دائم في تفاصيل المشروع.
ومن الأخطاء المتكررة أيضاً التركيز على المبيعات وإهمال التدفقات النقدية. فقد يبدو المشروع مزدحماً بالعملاء، لكنه يعاني من ضعف السيولة بسبب سوء إدارة المصروفات أو منح فترات سداد طويلة دون تخطيط. ولهذا فإن الانضباط المالي ليس ترفاً، بل شرطاً لاستمرار أي مشروع.
وفي عصر الاقتصاد الرقمي، لم يعد التسويق مجرد إعلان، بل أصبح بناءً للثقة والعلاقة مع العميل. فالمستهلك اليوم يبحث عن الجودة، وسرعة الاستجابة، والتجربة المميزة، بقدر بحثه عن السعر المناسب. ومن يدرك هذه الحقيقة يضمن لنفسه مكاناً في سوق يزداد تنافساً كل يوم.
وتحظى المشروعات الصغيرة والمتوسطة في المملكة العربية السعودية اليوم ببيئة داعمة غير مسبوقة، في ظل مستهدفات رؤية المملكة 2030، التي جعلت هذا القطاع أحد المحركات الرئيسة للنمو الاقتصادي، وتنويع مصادر الدخل، وخلق فرص العمل. لكن هذه البيئة، مهما بلغت قوة برامجها، لا تستطيع أن تعوض غياب التخطيط أو ضعف الإدارة. فالدعم يفتح الأبواب، أما النجاح فيعتمد على من يحسن استثمار الفرصة.
ويبقى الدرس الأهم أن الفشل ليس نهاية الطريق، بل قد يكون أفضل مدرسة يتعلم منها رائد الأعمال. فالمشاريع الناجحة لم تصل إلى ما هي عليه لأنها لم تخطئ، بل لأنها تعلمت من أخطائها، وعدلت مسارها، ولم تستسلم لأول عثرة.
إن المشاريع الصغيرة ليست مجرد وسيلة لتحقيق الربح، بل هي شريك في بناء الاقتصاد الوطني، وصناعة الوظائف، وتعزيز الابتكار. وكل مشروع ينجح بجهد صاحبه وإدارته الواعية، يضيف لبنة جديدة في مسيرة التنمية. ومن هنا فإن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ بالمال، وإنما يبدأ بالفكرة المدروسة، والإدارة الحكيمة، والإصرار على النجاح.