بقلم ـ فاطمة الأحمد
حكايةٌ تُدار بصوتٍ خافت داخل القلب،
لا يسمعها الناس…
ولا يلتقطها إلا من عاش لحظة الانتظار،
لحظة ما بين “ربما” و“لعل”،
ما بين جرحٍ لم يندمل بعد،
ووجعٍ يتخفّى في هيئة صبر.
خلف ذلك الصمت أسرارٌ لا تُقال،
لأن بعض الكلام…
يُرهق أكثر مما يداوي،
وبعض الاعترافات…
تُضعف حين تُقال للملأ،
وتقسو حين تُواجه بالأسئلة.
فأتركها كما هي:
تسكنني دون أن تخرج،
تنام في داخلي دون أن تموت،
تتراكم كقطع ضوءٍ لا ترى بالعين،
لكن أثرها واضح في الروح.
وفي قلب ذلك الصمت…
أسرار النفس حين تُمسك نفسها.
حين تُقاوم رغبة الانهيار،
وحين تقول لها: “اصبري…
ربما يكون ما يأتيك خيرًا مما فات.”
وحين لا أجد الكلمات…
أجد الأمل.
أملٌ يتقدّم كل صباح،
حتى لو تأخّر الفرج،
حتى لو طال الطريق،
يمشي الأمل في داخلي خطوة خطوة،
كأنه جنديٌ لا ينام،
وكأنه يهمس لي:
“لا تستسلمي…
ما زال في الدعاء بابٌ مفتوح،
آمالٌ…
منها ماتُحقَّق،
ومنها ما يزال حيًّا،
تُشبه بذرةً نبتت في تربة القدر،
لا تظهر للناس الآن،
لكنها تشتغل في العمق:
تشرب من المطر الخفي،
وتستعين بالشمس حين تشرق،
وتنتظر اللحظة التي فيها…
تقول الحياة: “ها قد آن الأوان.”
ومنها ماتحقق…
لم أتخلَّ عنه بمعنى النسيان،
بل فهمت أن الفشل أحيانًا يختبئ وراء حكمة،
وأن انكسار حلمٍ
لا يعني أن القصة انتهت،
بل يعني أن الله أعلم بترتيب السعادة:
ربما أرادها في وقتٍ آخر،
أو أراد أن يبدّل الطريق ليقودني إلى خيرٍ أوسع،
أو أراد أن يبعدني عن شيءٍ لو حصل
لأخذ جزءًا من روحي.
أمّا الباقي…
فهو على أمل أن يتأتي أمر الله بتَحقيق.
على أمل أن تأتي “الساعة”
بشكل لا يدفعني للتساؤل:
لماذا طال؟
لماذا تأخّر؟
فالعوض عندما يأتي…
لا يبرر لك التأخير فقط،
بل يمحو أثره من الذاكرة.
أقول لنفسي:
إن كان في اليدين عجزٌ،
ففي السماء قدرة.
وإن كان في الطريق التباس،
فالله أهدى.
وإن كانت الأيام تُرهق القلب…
فإن الذكر يُخفف،
والتوكّل يسند،
والدعاء يفتح أبوابًا لا يراها أحد.
أحيانًا أبدو قوية…
للناس فقط،
لكن خلف ذلك المظهر
هناك تعبٌ يتأهب للانتهاء،
ومع ذلك… أستمر.
لأنني أؤمن بأن القدرة ليست في التوقيت فقط،
بل في “الكلمة” التي إذا صدرت…
تغير كل شيء.
أن يقول له **كن فيكون**…
كأن الله حين يأمر
لا يحتاج إلى وقتٍ ولا نقاش.
كأن لحظة الأمر
هي لحظة ميلادٍ كامل:
حين يتبدل الخوف إلى اطمئنان،
وحين تتحول الحيرة إلى وضوح،
وحين يصبح المستحيل مجرد تاريخٍ مضى.
أقول:
يا رب…
إن كان ما أتمناه لم يأت بعد،
فإنك لم تسقطه من الحلم،
بل ترجمه إلى حكمة.
وإن كنت لم تُعطني الآن،
فأنت لا تحرمني…
بل تُعدّ لي وقتًا يليق بقلبي،
وقتًا لا يجرحني فيه التأخير،
بل يفرحني فيه الوصول.
وأقول في خلواتٍ لا يراها أحد:
أن يجبر به الله خاطري.
بل جبرٌ يبدّل المزاج،
يُصلح النظرة،
يرتب الفرح في القلب مثلما يرتب المطر الأرض بعد القحط.
أن يجبر خاطري حين يضيق صدري،
وحين تهتز داخلي فكرة “ربما لن يحدث”.
أن يزيل عني شعور “أنا وحدي”،
ويملأني يقينًا:
أنا لست وحدي…
فالله قريب.
أن يجعلها فرحًا وسعادة
تأتي بلا ضجيج…
لكن أثرها عميق،
كأثر نسمةٍ حين تدخل من نافذةٍ مفتوحة.
خلف ذلك الصمت…
أنا لا أختفي.
أنا أرجو… وأعمل في داخلي ما لا يراه أحد:
أجبر نفسي بالدعاء،
وأداويها باليقين،
وأحرسها بالذكر،
وأستقبل الفرج حين يهبط،
كما يستقبل الورد المطر…
خلف ذلك الصمت…
أملٌ لا ينطفئ.
وأملٌ، حين يجيء أمر الله،
يُصبح فرحًا وسعادة…
ويُصبح “كن فيكون”
أقرب مما كنت