الكاتب : النهار
التاريخ: ١١ يوليو-٢٠٢٦       3355

بقلم:اللواء الركن (م) محمد بن سعود السيف

لم أعتد مراجعة المستشفيات إلا بعدما بدأت السنون تلقي بظلالها على الجسد، وأصبحت أحد مراجعي مجمع الملك فهد الطبي العسكري بالظهران. دخلت المكان كما يدخل أي مراجع يحمل شيئًا من القلق، لكن ما لفت انتباهي منذ الزيارة الأولى لم يكن المبنى الحديث ولا الإمكانات الطبية، بل أمرًا يبدو بسيطًا، إلا أن أثره في نفس المراجع بالغ الأهمية… إنها الابتسامة.

في كل قسم أدخله، وعلى محيا كل موظف أو ممارس صحي ألتقيه، أجد ابتسامة صادقة، وترحيبًا لطيفًا، واستعدادًا للإجابة عن أي استفسار أو تقديم أي مساعدة. في البداية ظننت أن الأمر يعود إلى تميز موظف بعينه، أو أنه موقف استثنائي لن يتكرر، لكنني كلما انتقلت من قسم إلى آخر وجدت الروح نفسها، والأسلوب ذاته، حتى أدركت أن ما أراه ليس تصرفًا فرديًا، بل ثقافة مؤسسية راسخة.

هذه الثقافة لا تُكتب في اللوائح ولا تُقاس بالأرقام، لكنها تُشعر بها قبل أن تراها. فالمراجع الذي يدخل المستشفى مثقلًا بالمرض أو القلق لا يحتاج إلى العلاج وحده، بل يحتاج أيضًا إلى كلمة طيبة، ووجه بشوش، وتعامل يشعره بأنه موضع اهتمام واحترام. والابتسامة هنا ليست مجاملة عابرة، بل جزء من رحلة العلاج نفسها.

ولعل أكثر ما رسّخ هذا الانطباع في نفسي مواقف لن أنساها. الأول كان مع ممرضة سعودية لاحظت، بفطنة وحس إنساني، علامات القلق التي كانت ترتسم على وجهي، أو ربما من خلال ارتفاع ضغط دمي وأنا أنتظر نتيجة المنظار. لم تنتظر أن أطلب منها شيئًا، بل بادرت بكل احترافية إلى طمأنتي، ثم حرصت على أن تُسمِع الطبيبة نتيجة الفحص بصوت أستطيع سماعه، حتى يزول عني القلق قبل أن يحضر الاستشاري لإبلاغي بالتفاصيل. كانت لحظات قليلة، لكنها كشفت لي أن المهنة ليست أداءً للواجب فحسب، بل إحساسًا بالإنسان الذي يقف أمامك.

أما الموقف الثاني، فكان مع استشاري من إحدى الجنسيات العربية، كان يمنحني في كل زيارة الوقت الكافي لطرح ما يدور في ذهني من أسئلة واستفسارات، يستمع بصدر رحب، ويجيب بهدوء ولطف، دون أن أشعر للحظة أنني أثقلت عليه أو استهلكت من وقته أكثر مما ينبغي. أدركت حينها أن الطبيب المتميز لا يداوي المرض فحسب، بل يزرع الطمأنينة في نفس المريض، ويفتح أمامه آفاقًا من الأمل، ويجعل الحوار جزءًا لا يتجزأ من العلاج.

ولم يقتصر هذا الأثر على الأطباء والممرضين، بل وجدته أيضًا لدى الموظفين الإداريين. ففي قسم التقارير، تحدث معي موظف سعودي ببساطة وود، وكأن بيننا معرفة قديمة. وحين علم بسبب مراجعتي، أخبرني أن والده مر بالمشكلة الصحية نفسها، وأنه اليوم – ولله الحمد – يتمتع بصحة جيدة. كانت كلمات عفوية، لكنها منحتني جرعة من الأمل، وأثبتت لي أن الكلمة الطيبة قد تكون أحيانًا علاجًا يسبق الدواء.

إن بناء ثقافة كهذه لا يحدث بالمصادفة، بل هو ثمرة قيادة تؤمن بأن جودة الرعاية الصحية تبدأ من الإنسان قبل الأجهزة، ومن أسلوب التعامل قبل الإجراءات. وعندما تتكرر التجربة الإيجابية في كل قسم، فإنها تعكس منظومة عمل نجحت في غرس قيم الاحترام والتعاون والرحمة في نفوس منسوبيها.

ومن واقع تجربتي الشخصية، وجدت في  مجمع الملك فهد الطبي العسكري بالظهران  نموذجًا يستحق الإشادة، ليس لأنه يقدم خدمة طبية فحسب، بل لأنه يقدمها بمنهجية احترافية وروح إنسانية تجعل المراجع يشعر بالطمأنينة منذ اللحظة الأولى. فالابتسامة قد تستغرق ثانية، لكنها قد تترك أثرًا يبقى في الذاكرة سنوات.

وبعد هذه التجربة القصيرة مع هذه المنظومة الطبية في جزء عزيز من بلادي، أدركت الأثر الحقيقي لبرامج التحول التي شهدها القطاع الصحي، والتي لم تقتصر على تحديث المباني أو توفير التقنيات، بل امتدت إلى بناء ثقافة عمل تُعلي من قيمة الإنسان، وتجعل جودة التعامل جزءًا أصيلًا من جودة الرعاية. وكمواطن ومستفيد من هذه الخدمات، سعدت بأن أرى هذا التطور واقعًا ملموسًا، أعايشه وألمس أثره بنفسي.

شكرًا لكل من يعمل في هذا الصرح، ولكل ابتسامة صادقة أسهمت في تخفيف قلق مراجع، أو بث الأمل في نفس مريض. وشكرًا لتلك الممرضة التي أدركت أن الطمأنينة قد تسبق الدواء، وذلك الاستشاري الذي جعل من حسن الاستماع وسعة الصدر جزءًا من رسالته الطبية، وذلك الموظف الذي منحني بكلماته الصادقة أملًا لم أكن أبحث عنه.

فهناك أعمال عظيمة لا تُقاس بحجمها، وإنما بالأثر الذي تتركه في قلوب الناس.