النهار

١٢ يوليو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٢ يوليو-٢٠٢٦       3795

بقلم -جمعان الكرت 

تعيش قرى وادي قوب هدوءًا نسبيًا، لا يزيد من حراكها إلا الزيجات، وفي بعض الأعوام تدفع بعض القرى الكبيرة بما يزيد على عشرة شبان، ومثلهم من العرائس، ليكون احتفالًا جماعيًا مهيبًا.
في ظهيرة يوم الزفاف، يتدفق الدم الأحمر من رقاب الثيران التي تُذبح لتكون وجبة عشاء للجميع، ويصاحب ذلك إطلاق الأعيرة النارية ابتهاجًا بمناسبة الزواج، وسرورًا ببياض الشحم الذي يتدلى من بطونها وهي معلقة. وللجنابي قيمتها، ليس من الناحية المادية فحسب، بل من الناحية المعنوية أيضًا، وفي مثل هذا اليوم يحتزم البعض بجنابي ورثوها عن أجدادهم، ويفاخرون بها سواء في العرضة أو في الأعياد.
وآخرون يطلقون الأعيرة النارية في الفضاء، ومن رآهم يظن أنهم لا يموتون إلا وهم مبتسمون.
بعد أن يؤدي الجميع صلاة العصر، يكون الزير قد وُضع في مكان محدد وسط باحة واسعة، ويأتي بعده البوق «المزمار»، ليتجمهر الرجال إيذانًا ببدء العرضة الشعبية. يبدأ المشاركون بلحن جماعي:

يا الله على الرايات تقوِّم حظنا
وهب لنا يا الله دراجًا عالية.

لحظات، وإذا بدائرة العرضة تتسع، والشاعر يقف في المنتصف، ونقر الطبول يملأ جنبات الساحة، ليصل صداه إلى الجبال والشعاب. ينتظم العقد الدائري للعرضة، وكل فرد يعرف المكان الذي يتوافق مع مكانته الاجتماعية، سواء في المقدمة أو في المنتصف أو في النهاية، لتنتهي دائرة العرضة بأطفال يتناثرون بلا ترتيب، ويتقافزون بلا انتظام.
ومن يشاهد تلك السيوف، والبنادق، والجنابي، والمشاعب، يظن أن حربًا ستقوم في التو، خصوصًا إذا ألهب الشاعر مسامعهم بقصيدة حماسية، فتدق أقدامهم الأرض بقوة. ويقول أحد شعراء الوادي:

إذا ارتزت العرضة وسط الدار
اهتز بيت الحباطية.

صوت المزمار يلهب العرضة، بينما يقف بعض الرجال على حواف السوق وفوق أسطح المنازل لرؤية المشهد بكامله، وبعض النساء يتابعن العرضة من خلف نوافذ منازلهن.
يرقص المتمرس بجميع تفاصيل جسده، ويهز رأسه يمنة ويسرة، مع حركة الأقدام وصوت الزير، ويرفع الجنبية في الفضاء من حوله، ويقفز وإحدى رجليه مرفوعة، والأخرى مرتخية، ويلف حول نفسه ليعود في الاتجاه الآخر، فيما ينتظم المشاركون مع الإيقاع، فتسير العرضة بتوافق جسدي وحسي وبصري وصوتي وانفعالي جميل، لتتحول إلى لون فلكلوري آخر هو المسحباني، حيث يبوح الشاعر بقصائد غزلية، فيما ترتخي الأجساد قليلًا مع حركة توافقية إلى الأمام والعودة إلى الخلف، مع ثني الجذع والتشابك بالأيدي. إنها رقصة تفسح أمامهم فضاءً للإبداع والغزل والتشبيب، وفي الوقت ذاته تغسل أجسادهم من الهموم والمشكلات اليومية.
ويستمر الشاعر في إلقاء القصيد، يغترف من ينبوع معرفته، وهم ينشدون ويرقصون ويثنون جذوعهم.
وتُختتم الاحتفالات برقصة اللعب، إذ يشارك فيها من لا يزال يملك النشاط، وغالبهم من فئة الشباب، يحركون أجسامهم وأيديهم بحركة سريعة تشبه حركة الصقر وهو يهم بالطيران، ويضرب أحدهم بالدف مع القفز والارتخاء وثني الركبة ثم العودة مرة أخرى، فيما يزداد نقر الطبول سرعة، ليتساقط من لا يحتمل الإيقاع. يرقص… ويرقص… حتى يفتر جسده، وعندها لا يقوى على الوقوف، فيلقي بنفسه أرضًا. وهذا ما يحدث لبعضهم، إذ يصدر فحيحًا، فيُحمل خارج حلبة اللعب، ويقولون: إن الجان قد تلبسه.
وينفض القوم قبيل صلاة المغرب، لينتشروا في طرقات تفضي بهم إلى منازل أصحاب العرس، حيث تُشم رائحة اللحم والأرز من مسافات بعيدة، ويمتد الفرح بعد العشاء للرجال والنساء، ويستمر الشعراء في التباري بإلقاء القصيد، وبعضه يخلد في ذاكرة القرية، وتتناقله الركبان.
ويستمر العرس ثلاثة أيام. أما النسوة فيحتفلن بطريقتهن الخاصة، فيلبسن ثيابًا مطرزة بخيوط مذهبة اللون، ويعصبن رؤوسهن بشيلان ملونة، ويضعن شروخًا من لفافة الكادي بين ضفائر شعورهن، فتتبدى من خلف آذانهن كقطع الذهب. النساء في كامل زينتهن، أما العروس فهي التي تحظى بالاهتمام الأكبر، إذ يظهر وجهها من خلف الشال الأخضر في استحياء.