النهار

٠٧ يوليو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٧ يوليو-٢٠٢٦       2750

بقلم ـ د. نجوى الكلحوت
كلما هممتُ بالسفر، بدأتُ أراجع قائمة الأغراض التي أعددتها مسبقًا. أضع علامة أمام كلما أنجزت شيئًا، ثم أعود إليها مرة أخرى، فأضيف: قد أحتاج هذا، وربما أحتاج ذاك، ولعل الوقت هناك لا يسعفني للبحث أو الشراء. وهكذا تمتلئ الحقيبة بأشياء لم أتيقن من حاجتي إليها، غير أن احتمال الاحتياج يكفي لأن أحملها معي.
وفي أثناء ترتيب تلك الحقيبة، خطر لي سؤال لم يفارقني: إذا كنتُ أستعد لرحلة قد تمتد أيامًا معدودة، فلماذا لا يكون استعدادي لرحلتي الكبرى أشد عناية، وهي التي لا أعلم متى تبدأ نهايتها؟
كل إنسان على سفر، منذ لحظة ميلاده، غير أن أكثر الناس يعتادون الطريق حتى ينسوا أنهم مسافرون. نستيقظ، ونعمل، ونخطط، ونؤجل، وكأن أمامنا متسعًا لا ينفد من الزمن، مع أن موعد الوصول لا يعرفه أحد.
 قال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ البقرة: 197، فجعل الزاد عنوان الرحلة، لأن المسافر لا يكتفي بحسن النية، وإنما يحمل ما يعينه على بلوغ غايته.
ولعلنا لو تعاملنا مع أعمالنا الصالحة بالطريقة نفسها التي نتعامل بها مع حقائب السفر، لتغيّر كثير من سلوكنا. سنضيف إلى رصيدنا من الخير ما دمنا نستطيع؛ ركعتين في جوف الليل، صدقة خفية، كلمة طيبة، صلة رحم، دعوة صادقة، استغفارًا في الطريق، ابتسامة تدخل السرور على قلب أحد، عفوًا عند المقدرة، علمًا نافعًا نتركه خلفنا. أعمال قد نظن أننا لن نحتاجها اليوم، غير أننا سنفرح بها حين نفتقد كل أسباب الزيادة.
ومن عجيب أمر الإنسان أنه يحرص على ألا ينسى شاحن هاتفه، أو دواءه، أو وثائقه، لأنه يعلم أن فقدانها قد يربكه في سفره، ثم يغفل عن زاد الآخرة، مع أنه السفر الوحيد الذي لا يمكن فيه الرجوع لاستدراك ما فات، ولا تُفتح فيه فرصة لإضافة شيء إلى الحقيبة بعد إغلاقها.
إن أجمل ما في الاستعداد للآخرة أنه لا يحرم الإنسان من الدنيا، وإنما يمنحه وعيًا مختلفًا في عيشها. يعمل، ويكسب، ويبني، ويفرح، ويسافر، ويخطط للمستقبل، وهو يحمل في قلبه يقينًا بأن لكل رحلة نهاية، تحتاج منه عناية.
في كل مرة نرتب فيها حقائبنا استعدادًا لرحلة جديدة، يجدر أن نتوقف لحظة، ونسأل أنفسنا: لو كانت هذه آخر رحلة في العمر، فهل حقيبة أعمالنا ممتلئة بما نرجو أن نلقى به الله؟
فالرحلات الأرضية تنتهي عند باب منزل، أو صالة وصول، أما الرحلة الأخيرة فتنتهي عند باب لا يعلم وقته ولا مكانه إلا الواحد الأحد. ﴿وَمَا تَدۡرِي نَفۡسٞ مَّاذَا تَكۡسِبُ غَدٗاۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسُۢ بِأَيِّ أَرۡضٖ تَمُوتُۚ﴾ لقمان: 34، فلنحرص على الزاد النافع، فهو المبتغى يوم ﴿لَا يَنفَعُ مَالٞ وَلَا بَنُونَ ۝ إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبٖ سَلِيمٖ﴾ الشعراء: 88-89.