النهار

١١ يوليو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١١ يوليو-٢٠٢٦       3300

بقلم ـ د. غالب محمد طه

لطالما شدّ انتباهي ذلك الطريق الممتد من مكة إلى المدينة، بسحره الغامض، وامتداده إلى الأفق، وكأنه مدرجٌ تتصل درجاته بالسماء. وخلف ذلك الأفق، تتراءى لي الشخوص على ظهور الدواب، وكلما لاح لي جملٌ أنختُ بصري إليه، وكأني أنتظر أن يكون من ذات السلالة التي حملت أعظم أمانة في التاريخ.

ثم كلما أمعنت النظر في تلك الصحراء والجبال الممتدة، أكاد ألمح الحبيب وصاحبه الصدّيق، فيرتجف قلبي، وأبتسم بمحبة، وكأني أُطلق أساريري لأحتوي ذلك المكان كله. أترى تلك الجبال المتعرجة؟ كأنها شهود على رحلة صنعت تاريخ أمة، ولو نطقت الصخور لحدّثتنا عن ليلٍ سرّي، ونهار صبر، ورملٍ كان يخفي الخطى خوفًا من الطلب. لم تدركهما عيني، لكن دربهما ما زال تحت قدمي، وما زال هذا الطريق يوقظ في القلب شوقًا لا يخبو، ويبعث في الروح معاني الصحبة واليقين.

وهنا، يتوقف الزمن، وتضيق المسافات، وكأنني أستحضر ذلك المشهد الخالد حين سأل المشركون أبا بكر الصدّيق رضي الله عنه عن خبر الإسراء، مستنكرين أن يكون رسول الله ﷺ قد أُسري به إلى بيت المقدس ثم عاد في ليلة واحدة؛ فردّ عليهم بيقينٍ قاطع: «إن كان قال ذلك فقد صدق.» ثم أتبعها بجوابه الذي صار عنوانًا لليقين، ومنهاجًا للتسليم المطلق: «نعم، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه في خبر السماء في غدوة أو روحة.»

انشغلوا ببعد الطريق، وكان الصدّيق منشغلًا بصدق من جاءه بخبر السماء. وكان يقينه متعلقًا بمن أخبره، وهناك تتجلى حقيقة الإيمان؛ فالمعجزات لا تُدرك بمقاييس العادة، وإنما تُستقبل بثقة المؤمن بربه ورسوله.

ولعل اليقين هو أول درجات ذلك المدرج الذي يصل الأرض بالسماء؛ فمن صدق الخبر، هان عليه طول الطريق.

ولئن كان الإسراء معجزةً خصّ الله بها نبيه ﷺ، فإن أثرها لم ينقطع، فما زالت ترفع معاني اليقين في قلوب المؤمنين، وتذكرهم بأن قدرة الله فوق كل مألوف، وأن الإيمان الصادق يسمو على حدود الحس والحساب.

ثم يعود بي التأمل إلى هذا الطريق الخالد بين مكة والمدينة؛ طريق الهجرة المباركة، الذي شهد واحدة من أعظم صفحات السيرة النبوية. هنا، ربما مرّ رسول الله ﷺ وصاحبه أبو بكر رضي الله عنه، والصديق يتلفت خوفًا على رسول الله، والنبي يطمئنه بقوله تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.

كانت الهجرة رحلة إيمان، وصبر، وتوكل، ومنها بدأ بناء أمة. فإذا كنت أرى الآن جمالًا واحدًا على ظهر راحلته، فإني أعلم أن خلف هذه الصورة صحبةً ضربت أروع الأمثلة في الوفاء والثبات، وأن الصحراء التي اتسعت أمامهما كانت تضيق بالمخاطر، حتى وسّعها اليقين بالله.

تركا في الرمال أثر خطواتهما، وتركا في الأمة منهجًا من الصدق والثبات، يهتدي به كل من أراد سلوك طريق الحق، مهما اشتدت عليه المسافات.

وأنت أيها المارّ من هنا، أو الحالم بالمرور، أما شعرت يومًا أن هذا المدرج الصاعد إلى السماء لا يُرتقى إليه بالأقدام وحدها، بل بقلبٍ امتلأ يقينًا؟ فالرحلة تحتاج إلى قلبٍ امتلأ يقينًا، وصدقٍ كصدق الصدّيق، وثقةٍ بالله حملها رسول الله ﷺ في أحلك اللحظات.

واليوم، ونحن نقف على مشارف ذلك الطريق الخالد، ندرك أن الهجرة ليست ذكرى تاريخية فحسب، وأن أثر الإسراء ليس قصةً تُروى ثم تنقضي، بل كلاهما يمدّ المؤمن بمعاني التجديد والثبات. وكم نحتاج، في زحام الحياة، إلى رحلةٍ من نوع آخر؛ رحلةٍ بين قلوبنا وشعاب مكة، رمز التوبة والرجوع، وبين أنفسنا ومدينة رسول الله ﷺ، رمز الهداية والاستقامة.

لقد فاتنا زمانه، وما فاتنا طريقه.

فإن كان الشوق صادقًا، فاللقاء له سبيل؛ باتباع هديه، والاقتداء بخلقه، والإكثار من الصلاة والسلام عليه حبًا وتعظيمًا.

وحين أعود ببصري إلى ذلك الطريق الممتد بين مكة وشعابها، لا أراه كما رأيته أول مرة؛ أراه مدرجًا يصل الأرض بالسماء، ترتقي عليه الأرواح قبل الأقدام. وكلما لاح لي جملٌ في الأفق، ابتسمت كما بدأت، وكأنني ما زلت أنتظر أن يكون من ذات السلالة التي حملت أعظم أمانة في التاريخ. ثم يخطر لي أن تلك الأمانة ما تزال تمضي في القلوب، يحملها من اقتفى أثر صاحبها، ويهديه يقينه حتى يبلغ منزلةً يعلو بها في ذلك المدرج الموصول بالسماء.

اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.