الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٤ يوليو-٢٠٢٦       2805

بقلم ـ د. غالب محمد طه
حين اتخذ الخليفة الراشد عثمان بن عفان -رضي الله عنه- قراره بنسخ المصاحف وإرسالها إلى الأمصار الإسلامية الكبرى، وضع أساساً متيناً لحفظ وحدة النص القرآني وضبط رسمه في المصاحف العثمانية. ومن تلك المراكز الجغرافية المتباعدة، تأسست مدارس علمية قادها رجال جابوا القفار لضبط الأداء ونقل أوجه القراءات بالتواتر عبر أسانيد متصلة بلغت الغاية في الدقة.
ومع ذلك، شاع في الأوساط الثقافية لعقود طويلة انطباع بأن علم القراءات متن علمي مغلق يقتصر على المتخصصين؛ نظراً لاعتماده على سرديات خطية وتراجم مكتوبة قد تبدو للأجيال الجديدة معزولة عن بيئتها الجغرافية. وفي هذا السياق، يكتسب الحدث العلمي الذي شهدته مكة المكرمة مؤخراً أهمية خاصة؛ حيث دُشّن كتاب «أطلس القُرّاء العشرة ورُواتهم» للباحث سامي المغلوث، بتشريف من معالي الشيخ الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى، الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي. في تقديري لا تقف قيمة هذا الإصدار عند حدود الاحتفاء بكتاب جديد، بل أعتقد أنها تفتح باباً واسعاً للنقاش حول دور أدوات التمثيل البصري للمعرفة في إعادة قراءة العلوم الإسلامية وتقريبها إلى المتلقي المعاصر.
فقد توسعت في السنوات الأخيرة وظائف الخرائط في الدراسات المعاصرة بصورة ملحوظة؛ فلم تعد تقتصر على ترسيم الحدود السياسية أو تتبع التحركات العسكرية، إنما أصبحت أداة تحليلية لفهم حركة الأفكار والعلوم وتدفقها عبر المكان. ومن هذا المنطلق، تبرز الخارطة كوسيلة للتفسير والشرح.
وفي هذا الأطلس، يتتبع الباحث مسارات الأئمة العشرة ورواتهم، مسقطاً الأسانيد النظرية على مصورات جغرافية تحول الفكرة المجردة إلى مشهد مرئي يقرب تفاصيل الرحلة التاريخية لطلب العلم. ويتضح ذلك في مسار قراءة الإمام نافع المدني، التي انطلقت من المدينة المنورة لتستقر عبر تلميذه الإمام ورش في مصر، ثم تمتد إلى شمال وغرب أفريقيا حيث أصبحت القراءة الغالبة في تلك الأقاليم. ويوفر هذا الامتداد المكاني، حين يُقرأ على خارطة واحدة، تمثيلاً بصرياً يدعم الأدلة التاريخية على انتظام انتقال القراءات عبر المدارس العلمية، ويسهم في مناقشة بعض الأطروحات الاستشراقية التي شككت في هذا الانتظام أو صورت تنوع القراءات بوصفه نتاجاً لمصادفات تاريخية أو لغياب الضبط في القرون الأولى. كما يساعد هذا المنظور المكاني الباحثين على رصد أنماط انتشار المدارس العلمية وتتبع رحلات التدوين المبكرة، ومنها ترحال الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام بين الحواضر الإسلامية جمعاً للعلم، وهو جانب معرفي يتجاوز مجرد الإخراج البصري إلى توسيع أدوات الفهم والتحليل.
ويتقاطع الجهد المبذول في هذا الأطلس مع حقل «الإنسانيات الرقمية»، وهو اتجاه عالمي يوظف نظم المعلومات الجغرافية والبيانات البصرية في دراسة التاريخ والتراث وتيسير البحث العلمي. ويعكس اهتمام رابطة العالم الإسلامي بهذا المشروع توجهاً عملياً يضيف إلى وسائل حفظ المعرفة الإسلامية ونشرها التقليدية أدوات جديدة لعرضها وتقريبها عبر الثقافة البصرية المعاصرة. ومع ذلك، لا يمكن لهذه المصورات أو الأطالس أن تغني عن دراسة المتون وتلقي الأسانيد بالمشافهة، فذلك هو الأصل الذي قام عليه هذا العلم، وإنما تمثل هذه الأدوات مدخلاً إيضاحياً مسانداً يسهل الفهم الأولي ويثري العملية التعليمية.
ويفتح هذا الأفق المجال لتحويل هذا المنجز مستقبلاً إلى بيئات رقمية تفاعلية، تتيح للباحث بضغطة زر استكشاف رحلة كل قارئ، وشيوخه، وتلاميذه، ونطاق انتشار قراءته تاريخياً وجغرافياً، بما ينقل المعرفة الإسلامية إلى فضاء استكشافي أرحب.
فقد انطلقت المصاحف ذات يوم إلى الأمصار تحمل النص ودقته، واليوم تأتي الخرائط المعرفية لتوضح مسارات انتقاله. ويبدو أن علم القراءات بدأ بالفعل يستفيد من أدوات التمثيل البصري، بما يمهد الطريق أمام بقية العلوم الشرعية لاستثمار التقنيات ذاتها. وإذا كان المصحف الإمام قد وحّد النص وضبط رسمه في القرن الأول الهجري، فإن الخرائط المعرفية اليوم تسهم في توضيح مسارات انتشاره، وتفتح آفاقاً جديدة لاستكشاف تاريخ العلوم الإسلامية في البيئة الرقمية. وتمثل هذه التجربة نموذجاً عملياً يبرهن على قدرة العلوم الشرعية على استيعاب أدوات العصر في عرض معارفها دون أن تمس أصولها أو منهجها. وإذا ألهم هذا المنجز مشاريع مماثلة في التفسير والحديث والفقه والسيرة، فإنه سيسهم في تقديم المعرفة الإسلامية بلغة تستوعب أدوات المستقبل، مع المحافظة على أصالتها العلمية ومنهجها الراسخ.
وبالله التوفيق.