الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٦ يونيو-٢٠٢٦       5280

بقلم-عبدالرحمن بن شديد الفهمي

ليس كل ما يُرى يُقال، وليس كل ما يُقال يستحق الرد، وليس كل خطأ يستوجب المواجهة. هنا يظهر فنّ التغافل بوصفه واحدًا من أرقى الفنون الإنسانية وأصعبها ممارسة.

التغافل ليس ضعفًا كما يظن البعض، ولا عجزًا عن الرد أو المواجهة، بل هو قدرة واعية على تجاوز الصغائر، واختيار المعارك التي تستحق أن تُخاض. إنه حكمة الإنسان حين يدرك أن راحة البال أثمن من الانتصار في كل جدال، وأن العلاقات أكبر من أن تُهدم بسبب هفوة أو كلمة عابرة.

في حياتنا اليومية نصادف الكثير من المواقف التي تستفز المشاعر وتدفع إلى ردود الأفعال السريعة، لكن العقلاء هم الذين يمتلكون القدرة على كبح اندفاعاتهم، فيتغافلون عن زلة اللسان، ويتجاوزون عن الخطأ غير المقصود، ويمنحون الآخرين فرصة للاعتذار دون إحراج.

ومن يستطيع العزف على هذه الأداة بإتقان ليس شخصًا عاديًا، بل إنسان نضجت تجربته واتسعت رؤيته للحياة. فهو يعلم أن التدقيق في كل صغيرة وكبيرة يرهق النفس ويستنزف العلاقات، بينما يفتح التغافل أبواب المودة ويحفظ للناس كراماتهم.

لقد قيل قديمًا: “ليس الغبي بسيدٍ في قومه، لكن سيد قومه المتغابي”. والمقصود هنا ليس الجهل أو الغفلة، بل التغافل الحكيم الذي يتجاوز عن بعض ما يعلم حفاظًا على الودّ واستمرارًا للألفة.

إن أجمل ما في فن التغافل أنه لا يحتاج إلى موهبة استثنائية بقدر ما يحتاج إلى سعة صدر ونبل أخلاق وقوة داخلية. فكلما ارتقى الإنسان في أخلاقه، ازدادت قدرته على التغافل، وكلما ضاقت نفسه، أصبح أسيرًا للتوافه والخلافات الصغيرة.

وفي زمن أصبحت فيه ردود الأفعال السريعة عنوانًا للكثير من الناس، يبقى التغافل فنًا نادرًا لا يجيده إلا الكبار، أولئك الذين أدركوا أن بعض الأمور لا تستحق الوقوف عندها، وأن أجمل الانتصارات أحيانًا هي تلك التي نختار فيها أن نمضي مبتسمين دون أن نلتفت إلى الوراء.

خلاصة القول: التغافل ليس تجاهلًا للحقيقة، بل إدارة ذكية للمشاعر، وهو فن لا يعزف على أوتاره إلا أصحاب الحكمة والقلوب الكبيرة