النهار
بقلم - شموخ نهار الحربي
يقولون إن الأب لا يُعوَّض، وهذه حقيقة لا يختلف عليها اثنان. فحين يرحل، لا يترك خلفه كرسيًا فارغًا في المنزل فحسب، بل يترك فراغًا في الروح، وفراغًا في الأيام، وفراغًا في كل موقف كنت تلتفت فيه لتجده واقفًا خلفك. منذ تلك اللحظة، يدرك الإنسان أن بعض الغياب لا يشبه أي غياب آخر.
لكن الله، بلطفه الذي لا تدركه القلوب إلا بعد حين، يزرع في الطريق أشخاصًا لا يمحون الألم، وإنما يخففون وطأته. ومن أجمل هؤلاء… العم.
ليس لأنه أخو الأب فقط، بل لأنه يحمل شيئًا منه؛ في ملامحه أحيانًا، وفي نبرة صوته أحيانًا أخرى، وفي طريقته وهو يسأل عنك، أو يطمئن عليك، أو يقف إلى جانبك دون أن يشعر أنه يصنع معروفًا. يفعل ذلك وكأنه يؤدي أمرًا يسكن قلبه، لا واجبًا ينتظر عليه شكرًا.
كبرت وأنا أظن أن كلمة “عم” لا تتجاوز كونها صلة قرابة، حتى علّمتني الحياة أن بعض الأعمام يمنحون أبناء إخوتهم من الحنان ما يجعلهم يشعرون أن السند لم يرحل كله. وأن الأبوة ليست لقبًا يُقال، بل أفعال تُرى، ومواقف تُحفظ، وقلوب تتسع لمن حولها.
هناك مواقف لا تُنسى، ليس لأنها عظيمة في نظر الناس، بل لأنها جاءت في وقت كان القلب بأمسّ الحاجة إليها. سؤالٌ عابر، زيارة غير متوقعة، دعوة صادقة، أو يد تربت على كتفك دون كلام. هذه التفاصيل الصغيرة قد لا ينتبه إليها أحد، لكنها عند من فقد أباه تعني عالمًا كاملًا من الطمأنينة.
ولأن العم هو أخو الأب، فإنه لا يحمل اسمه فقط، بل يحمل جزءًا من ذكرياته أيضًا. وحين يتحدث عن أخيه الراحل، لا تشعر أنك تستمع إلى قصة، بل كأنك تستعيد لحظات كنت تخشى أن تنساها. يصبح حديثه عن أبيك هدية لا تُقدَّر بثمن، لأنه يعيد إليه حياةً في الذاكرة، ويعيد إليك شيئًا من دفء الأيام التي مضت.
وليس كل الناس يملكون هذه القدرة؛ أن يكونوا عونًا من غير أن يُطلب منهم، وأن يحتضنوا القلوب المكسورة من غير ضجيج. لذلك، يبقى للعم الذي يحمل قلبًا يشبه قلب الأب مكانة لا تصنعها الكلمات، بل تصنعها السنوات، والمواقف، وكل مرة شعرت فيها أنك لست وحدك.
سيظل الأب هو الحب الأول، والسند الأول، والفراغ الذي لا يملؤه أحد. لكن سيبقى العم، في أجمل صوره، نعمة من نعم الله، يذكرك أن الرحمة قد تأتيك على هيئة إنسان، وأن العوض لا يعني النسيان، بل يعني أن الله يرسل إلى قلبك من يخفف عنه ثقل الطريق.
رحم الله كل أبٍ رحل، وحفظ لكل قلبٍ عمًا عرف أن الأخوة لا تنتهي بوفاة الأخ، بل تبدأ بعدها مسؤوليةٌ جديدة، عنوانها الوفاء، وتفاصيلها المحبة، وأثرها يبقى في القلوب ما بقي العمر.