النهار
بقلم - د. غالية بنت عيسى الزبيدي
هناك كلمات لا تموت، لكنها تُصاب بالإرهاق. تُستعمل كثيرًا حتى تنسى معناها الأول، ثم تتحول إلى عبارات بروتوكولية تؤدى كما تؤدى التحية العسكرية؛ لا تزيد ولا تنقص، ولا يطالب أحدٌ بتطبيقها.
في حياتنا اليومية، لدينا قاموس كامل من الكلمات التي تبدو في ظاهرها كريمة، لكنها في الواقع لا تتحمل اختبارًا صغيرًا.
تقول لأحدهم: هل تستطيع أن تسدي لي هذا الخدمة
؟ فيجيبك، دون أن يرمش: "عيوني لك.".
فتطمئن أن الخدمة في طريقها إليك، فتمضي ساعة، ثم ساعتان، ثم يومان، ثم تكتشف أن "العيون" مشغولة، وأن الخدمة مازالت عالقة في مكانها ، وأن العبارة كانت أسرع من الفعل.
وتطلب من آخر خدمة يسيرة، فيقول بثقة الفاتحين: "أنت تأمر." وما إن تأمر فعلًا، حتى تبدأ رحلة الاعتذارات: والله لو بيدي... والله الظروف... والله كنت أتمنى... فتدرك أن الأمر كان مسموحًا به نظريًا فقط، أما عمليًا فهو يحتاج إلى معجزة.
أما العبارة الأكثر سخاءً فهي: "أنا كلي لك." وهي جملة لو أخذناها على ظاهرها لاحتجنا إلى فريق طبي وقسم للجراحة، لكنها في الواقع لا تعني أكثر من: "أتمنى ألا تطلب شيئًا."
ولدينا أيضًا العبارة الأسطورية: "فديتك ." كلمة عظيمة في معناها؛ فالفداء أعلى درجات التضحية، لكنه في قاموس المجاملات لا يتجاوز ثمن فنجان قهوة قد يقولها لك شخص، ثم يتردد في إعارتك كتابًا، أو يعتذر عن توصيلة لا تستغرق خمس دقائق. يبدو أن الفداء مؤجل إلى إشعار آخر.
ومن روائع قاموسنا اليومي أيضًا: "البيت بيتك." تدخل مرة، فيُكرمونك. تدخل الثانية، يرحبون بك. أما الثالثة، فتبدأ تشعر أن البيت عاد إلى أصحابه الحقيقيين!
وإذا قال لك أحدهم: "أي وقت." فاحذر أن تختبر العبارة في "أي وقت". فالمقصود غالبًا وقتٌ يحدده هو، ويناسبه هو، ولا يزعجه هو.
وكذلك عبارة: "أعتبر الموضوع منتهيًا." هذه ليست وعدًا، بل أمنية جميلة، فالشيء الذي اعتبرته منتهيًا قد يبدأ رحلته الطويلة من التأجيل، حتى تنتهي أنت من الانتظار.
ليست المشكلة في المجاملة؛ فالمجاملة زينة العلاقات، ولطف اللسان من مكارم الأخلاق. المشكلة تبدأ حين تصبح الكلمات بديلًا عن الأفعال، وحين يتحول الكرم اللغوي إلى تعويض عن البخل العملي، فيصبح قاموسنا مليئًا بالتضحيات التي لا تقع، والوعود التي لا تُنفذ، والكرم الذي يعيش في الجملة أكثر مما يعيش في الواقع.
لقد فقدت بعض الكلمات معناها، لا لأنها ضعيفة، بل لأننا أثقلناها بما لا تستطيع حمله، حتى صارت العبارة تُقال قبل أن يفكر قائلها، وتُسمع قبل أن يصدقها سامعها.
وربما آن الأوان أن نُعيد لهذه الكلمات هيبتها، فمن الجميل أن يقول الإنسان: "سأحاول" إذا كان سيحاول، و"لا أستطيع" إذا كان لا يستطيع؛ فهذه الكلمات، على بساطتها، أكثر صدقًا من ألف عبارة تبدأ بـ"عيوني لك"... وتنتهي باعتذار طويل.
فالكلمات، مثل العملات، لا تفقد قيمتها حين تُنفق، بل حين تُطبع بلا رصيد.
عن الكاتبة: شاعرة وكاتبة وباحثة في اللسانيات الحديثة وتحليل الخطاب
الفائزة بجائزة سرد الذهب بدورتها الثالثة لعام 2026 م.