بقلم - د. شادي الكفارنة
لم يعد تأثير العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة مقتصراً على مشاهد الدمار والقتل والنزوح الجماعي، بل تجاوز ذلك ليطال البنية الديمغرافية للمجتمع الفلسطيني، في واحدة من أخطر النتائج بعيدة المدى للحرب المستمرة على البشر والحجر والشجر.
فبينما تتواصل الخسائر البشرية اليومية، تتشكل في الخفاء أزمة سكانية وصحية تهدد مستقبل القطاع وأجياله القادمة، وتلقي بظلال قاتمة على التركيبة السكانية لغزة لسنوات طويلة.
لطالما شكّل الأطفال العمود الفقري للمجتمع الفلسطيني وعنوان استمراره، غير أن الحرب الحالية وضعت هذا المستقبل أمام تحديات غير مسبوقة، فمع انهيار المنظومة الصحية وتفاقم الأوضاع الإنسانية، سجل قطاع غزة تراجعاً حاداً في معدلات الإنجاب، وارتفاعاً ملحوظاً في حالات الإجهاض والولادات المبكرة وانخفاض الوزن عند الولادة، وهي مؤشرات تعكس تغيرات ديمغرافية عميقة تتجاوز آثارها حدود اللحظة الراهنة.
ففي أحدث بيانات صحية أظهرت انخفاضاً غير مسبوق في أعداد المواليد، إذ تراجع عدد الولادات الشهرية من نحو 26 ألف ولادة قبل الحرب إلى قرابة 17 ألفاً فقط خلال فترة العدوان، ولا يمكن قراءة هذه الأرقام بمعزل عن الواقع الذي فرضته الحرب؛ فالقتل والنزوح والتهجير القسري، إلى جانب انعدام الأمن وتدمير المستشفيات والمراكز الصحية، دفعت آلاف الأسر إلى تأجيل فكرة الإنجاب أو فقدان القدرة عليه في ظل ظروف معيشية تفتقر إلى أبسط مقومات الاستقرار.
وفي الوقت الذي تجاوزت فيه حصيلة ضحايا العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة 73 ألف شهيد منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى يونيو/حزيران 2026، تتزايد المخاوف من أن تكون الخسائر الديمغرافية أكبر من الأرقام المباشرة للضحايا، إذ تتأثر معدلات النمو السكاني بشكل متسارع نتيجة تراجع الولادات وارتفاع معدلات الوفاة والإجهاض.
وفي ظل الظروف الراهنة أجزم أن الأمومة في غزة باتت رحلة محفوفة بالمخاطر، فمع تفاقم أزمة الغذاء وتراجع الخدمات الصحية، تواجه النساء الحوامل والمرضعات ظروفاً قاسية تهدد صحتهن وصحة أطفالهن، وسط تحذيرات دولية من مستويات خطيرة من سوء التغذية بين النساء، الأمر الذي ينعكس مباشرة على نمو الأجنة ويزيد من احتمالات الولادة المبكرة أو إنجاب أطفال بأوزان منخفضة، ما يرفع بدوره من مخاطر الأمراض والوفيات في المراحل الأولى من العمر.
وفي جانب آخر من المشهد، تعرضت فرص الإنجاب المستقبلية لضربة قاسية بعد تدمير معظم مراكز الإخصاب والتلقيح المساعد، وفقدان نحو أربعة آلاف جنين مخصب كان محفوظاً داخل أحد المراكز المتخصصة نتيجة تعطل أنظمة الحفظ، حيث تمثل هذه الخسارة ضربة موجعة لآلاف العائلات التي كانت ترى في تلك الأجنة أملاً لتكوين أسرة في المستقبل.
إن مجموع هذه المؤشرات يكشف أن العدوان الإسرائيلي لا يستهدف الحاضر الفلسطيني فحسب، بل تمتد آثاره إلى المستقبل الديمغرافي لغزة، فالتراجع الحاد في أعداد المواليد، وارتفاع معدلات الإجهاض والوفيات، وتدهور صحة الأمهات والأطفال، كلها عوامل تنذر بتحولات سكانية عميقة قد تعيد رسم ملامح المجتمع الغزي خلال العقود المقبلة.
وفي ظل استمرار الحصار والحرب وتراجع مقومات الحياة الآمنة والكريمة، يبدو أن أطفال غزة يدفعون الثمن الأكبر؛ فهم ليسوا فقط ضحايا الحاضر، بل يمثلون أيضاً الحلقة الأضعف في معركة البقاء الديمغرافي التي يخوضها المجتمع الفلسطيني.