الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٣ يونيو-٢٠٢٦       3575

بقلم ـ علي السبع

في رحلة الإنسان الطويلة مع الحياة، يكتشف حقيقةً قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها من أعمق الحقائق الإنسانية: لا أحد يملك المعرفة كاملة، ولا أحد يبلغ من الحكمة حدّ الاكتفاء. فكلما اتسعت دائرة العلم، اتسع معها إدراك الإنسان لما يجهله، وكلما تعمّق في فهم الحياة، ازداد يقينًا بأن الآخرين ليسوا مجرد عابرين في طريقه، بل شركاء في تشكيل وعيه وصقل تجربته.
إن الحكمة لا تُقاس بكمية ما نقول، بل بقدرتنا على الإصغاء. فهناك تجارب إنسانية لا تحتويها الكتب، ودروس لا تُدرّس في المدارس والجامعات، بل تنبض في قصص الناس ومعاناتهم ونجاحاتهم وإخفاقاتهم. ومن يظن أنه بلغ نهاية المعرفة، إنما يغلق على نفسه أحد أوسع أبوابها.
العقول العظيمة لا تتصارع على احتكار الحقيقة، بل تتكامل في سبيل الوصول إليها. فالفكر الإنساني عبر التاريخ لم يُبنَ على جهود الأفراد وحدهم، وإنما نما وتطوّر من خلال الحوار وتبادل الخبرات وتراكم التجارب. ولهذا كانت الحضارات ثمرةً لتعاون العقول قبل أن تكون نتاجًا لقوة الأيدي.
ولعل من أكثر الأخطاء شيوعًا أن يقيس الإنسان نفسه بمن هو أقل منه إنجازًا أو معرفةً، فيشعر براحة مؤقتة توهمه بأنه بلغ ما يكفي. غير أن هذه الراحة كثيرًا ما تكون عائقًا خفيًا يمنع التقدم ويقتل روح الطموح. فالمقارنة بالأسوأ لا تصنع نجاحًا، وإنما تمنح الأعذار للاستمرار في المكان ذاته.
أما النظر إلى النماذج الأفضل والأكثر تميزًا فليس دعوة للحسد أو التقليل من الذات، بل فرصة للتعلّم والنمو. فالإنسان الواعي لا يسأل: لماذا يمتلك الآخرون ما لا أملك؟ بل يتساءل: ماذا يمكنني أن أتعلم من تجاربهم؟ وكيف أستفيد من مسيرتهم لأصنع طريقي الخاص؟
إن الفرق بين من يبحث عن العذر ومن يبحث عن التطور يكمن في زاوية النظر. فالأول ينشغل بمن هو أقل منه ليبرر واقعه، بينما الثاني يتأمل من سبقه ليكتشف إمكاناته الكامنة. والحياة في جوهرها ليست سباقًا مع الآخرين، بل رحلة مستمرة نحو نسخة أفضل من الذات.
ومن هنا تتجلى القيمة الحقيقية للمعرفة؛ فهي ليست ما نختزنه لأنفسنا، بل ما نمنحه للآخرين من أثر نافع وفكرة ملهمة وخبرة صادقة. فالعلم الذي لا يتجاوز صاحبه يبقى محدود الأثر، أما الحكمة التي تُشارك وتُورّث وتُلهم فإنها تستمر في الحياة حتى بعد غياب أصحابها.
وفي النهاية، يبقى الإنسان مشروعًا مفتوحًا للتعلّم والتطور ما دام حيًا. فالنجاح لا يبدأ عندما تتشابه الظروف أو تكتمل الإمكانات، بل يبدأ عندما يقرر الإنسان أن يستثمر ما بين يديه، وأن يخطو خطوة جديدة نحو غدٍ أفضل.
لذلك، لا تجعل سؤالك الدائم: «من هو أقل مني؟»، بل اجعل سؤالك: «كيف أكون أفضل مما كنت عليه بالأمس؟». فعندها فقط تتحول الحياة من مقارنةٍ بالآخرين إلى رحلةٍ عميقة من النمو والوعي واكتشاف الذات، وتصبح الحكمة نورًا يتجدد مع كل تجربة!!