الكاتب :
التاريخ: ١١ أغسطس-٢٠٢٦       2530

بقلم - د. علي بن عالي السعدوني
حين قررت المملكة أن تجعل السياحة أحد أعمدة اقتصادها الوطني لم تكن تنظر إليها بوصفها نشاطًا موسميًا يرتبط بالإجازات والعطل فحسب، وإنما باعتبارها صناعة اقتصادية متكاملة قادرة على تنشيط الأسواق المحلية، وتحفيز الاستثمارات الوطنية، وخلق آلاف الفرص الوظيفية، وتعزيز التنمية في المناطق التي تمتلك مقومات طبيعية وثقافية تستحق أن تتحول إلى وجهات عالمية، وهو ما نشهده اليوم في المصايف الجنوبية التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة نموذجًا وطنيًا للاستثمار السياحي بعد أن سخرت الدولة لها الإمكانات، وأطلقت الفعاليات، وطورت البنية التحتية، وشجعت القطاع الخاص على ضخ استثماراته بثقة في مستقبل هذا القطاع الواعد.
غير أن نجاح أي مشروع اقتصادي بهذا الحجم لا يرتبط بحجم الإنفاق الحكومي وحده، ولا بعدد الفعاليات التي تقام خلال الموسم، ولا بما تمتلكه المناطق من مقومات جذب بل يعتمد كذلك على انسجام القرارات الحكومية، وعلى قدرتها على خدمة الهدف الوطني نفسه؛ لأن التنمية الحديثة لم تعد تقبل أن يعمل كل قطاع بمعزل عن الآخر، وإنما تقوم على شراكة مؤسسية تجعل القرار الإداري في أي جهة يضيف قوة للجهة الأخرى، ويمنحها مساحة أوسع لتحقيق مستهدفاتها الاقتصادية والتنموية.
وفي هذا السياق تبدو العلاقة بين التقويم الدراسي والحركة السياحية علاقة تستحق مزيدًا من الدراسة؛ لأن الأسرة السعودية تبني خططها السياحية وفق إجازة الأبناء ولأن الطالب يمثل العنصر الرئيس في استمرار الرحلات الداخلية ولأن عودة الدراسة في وقت لا يزال الموسم السياحي يعيش ذروة نشاطه قد تدفع كثيرًا من الأسر إلى إنهاء رحلاتها مبكرًا، أو العدول عن السفر من الأساس، وهو ما قد ينعكس على حجم الحركة الاقتصادية التي كانت تعتمد على استمرار الإجازة حتى نهاية الموسم الصيفي.
ولعل امتداد الإجازة الطلابية إلى شهر أغسطس كان سيمنح المدن السياحية فترة أطول لاستقبال الزوار، ويتيح للفعاليات الصيفية فرصة أكبر لتحقيق مستهدفاتها، ويعزز العوائد الاقتصادية للمنشآت الفندقية، والمطاعم، والمقاهي، والأسواق، ومختلف الأنشطة التجارية المرتبطة بالموسم بما ينسجم مع الجهود الكبيرة التي بذلتها الدولة في تطوير القطاع السياحي، وتحويله إلى أحد أهم محركات الاقتصاد الوطني.
ولا يُفهم من هذا الرأي أن التعليم ينبغي أن يتراجع أمام أي قطاع آخر، فالتعليم هو الأساس الذي تُبنى عليه نهضة الأمم غير أن المرحلة الحالية تتطلب قراءة أكثر شمولًا عند إعداد التقويم الدراسي قراءة تستوعب الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والتنموية للقرار، وتجعل التنسيق بين وزارة التعليم والجهات المعنية بالسياحة جزءًا من عملية التخطيط حتى لا يعمل كل قطاع وفق أولوياته الخاصة بينما تتقاطع النتائج على أرض الواقع.
لقد نجحت المملكة في بناء صناعة سياحية حديثة، وأثبتت أن الاستثمار في السياحة لم يعد خيارًا ترفيهيًا، وإنما خيار اقتصادي واستراتيجي يحقق عوائد متنامية عامًا بعد عام؛ ولذلك فإن المحافظة على زخم هذا القطاع لا تقتصر على تطوير الوجهات السياحية وحدها، وإنما تمتد إلى بناء منظومة حكومية أكثر تكاملًا، و انسجامًا، وأكثر قدرة على توظيف الوقت والمواسم بما يخدم الاقتصاد الوطني، ويعزز الاستثمار المحلي، ويمنح المشروعات السياحية فرصة أكبر لتحقيق العائد الذي أُنشئت من أجله في ظل رؤية وطنية جعلت من التكامل بين القطاعات عنوانًا دائمًا لنجاح التنمية واستدامتها.