الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٢ يونيو-٢٠٢٦       4620

بقلم - عجاب الحنتوشي

في يوم الأب، لا أحتفل بذكرى أبٍ عشت معه تفاصيل الحياة، بل أقف أمام فراغٍ قديم يسكن داخلي منذ أن كنت في عمر السنة الأولى. رحل أبي قبل أن أعرف صوته، قبل أن أحفظ ملامحه، قبل أن أذوق معنى أن يكون هناك أبٌ أعود إليه، أو ظلٌ أستند إليه، أو يدٌ تمسك بيدي حين أخاف.

كبرت وأنا أحمل سؤالًا صامتًا: كيف يكون شعور الأبوة؟ كيف يكون ذلك الأمان الذي يمنحه الأب لأبنائه؟ كيف يكون وجود شخصٍ ترى في عينيه الحماية، وفي صوته الطمأنينة؟

لكن خلف هذا الفقد كانت هناك امرأة عظيمة وقفت في المكان الذي تركه الغياب… إنها أمي.
الأم التي لم تكتفِ بأن تكون أمًا، بل حملت مسؤولية مضاعفة، فكانت الحضن حين ضاقت الأيام، وكانت القوة حين كان الضعف أقرب، وكانت السند الذي أخفى تعبه حتى لا نشعر بثقل الحياة.

لم تستطع أمي أن تعوض وجود الأب بالكامل، لأن لكل إنسان مكانته ودوره، لكنها منحتني شيئًا لا يقل قيمة؛ منحتني الحب والصبر والدعاء، وعلمتني أن الإنسان قد يفقد شخصًا عزيزًا، لكنه لا يفقد الرحمة التي يرسلها الله إليه عبر قلوب من يحبونه.

كبرت وأنا أحمل هذا الفقد، لكنني قررت ألا أجعله إرثًا لأبنائي. وما لم أذقه في طفولتي، سعيت أن أزرعه في طفولتهم. لم أُرد لهم أن يعرفوا معنى الغياب الذي عرفته، بل أردت أن يعرفوا معنى الأب الذي يبقى حاضرًا في قلوبهم.

بدأت أعوض أبنائي عن شيء لم يكن لي، لا بالمال ولا بالأشياء، بل بالحضور. أن أسمعهم، أن أحتضن أحلامهم الصغيرة، أن أكون قريبًا حين يحتاجونني، وأن أجعلهم يشعرون أن لهم أبًا يكون لهم أمانًا وسندًا.

تعلمت أن الأبوة ليست مجرد اسم أو صلة دم، بل مسؤولية وحب واحتواء. الأب الحقيقي هو الذكرى الجميلة التي يحملها الطفل عندما يكبر، هو الدعاء الذي يرافقه، والكلمة التي ترفعه، واليد التي تساعده على الوقوف.

وفي يوم الأب، أتذكر أبي الذي لم أملك معه ذكريات، وأدعوا له بالرحمة بقدر ما كان في قلبي من فراغ. وأتذكر أمي التي صنعت من الصبر حياة، وأقف احترامًا لكل أم حملت دورين، وأعطت أبناءها من قلبها ما استطاعت.

واليوم، وأنا أب، أدرك أن أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان ليس أن يغير الماضي، بل أن يصنع مستقبلًا أجمل لمن يحب. فقدت أبًا في بداية عمري، لكنني وجدت معنى الأبوة حين أصبحت أبًا.

إلى أبنائي: سأبذل كل ما أستطيع لأترك في قلوبكم ذكرى جميلة عني، ذكرى تقول إن أباكم كان حاضرًا، محبًا، قريبًا… كما كانت جدتكم يومًا الحضن الذي حفظنا حين غاب الكثير.

كل عام وكل أبٍ يحمل أمانة الحب بخير… وكل عام وكل أمٍ كانت وطنًا وسندًا لأبنائها بخير.