بقلم- عبدالمحسن محمد الحارثي
ليس كل مشروعٍ اجتماعي ينجح بمجرد سلامة فكرته، فكم من فكرةٍ عظيمة أضعفها التنفيذ، وكم من مبادرةٍ نبيلة فقدت شيئاً من بريقها بسبب غياب التنظيم ووضوح الرؤية.
والزواج الجماعي واحد من أنبل المبادرات الاجتماعية التي عرفها مجتمعنا؛ إذ جاء في الأصل ليخفف الأعباء، ويكسر حواجز التكاليف، ويبعث رسالة مفادها أن الزواج شراكة حياة لا سباق مظاهر، وأن بناء الأسرة أولى من استنزافها قبل أن تبدأ.
غير أن نجاح الفكرة لا يعفي من مراجعة التجربة، ولا يمنع من تطويرها، فالمراجعة ليست نقداً للمنجز، بل حماية له من التراجع. والمشروعات الناجحة لا تخشى المراجعة، بل تخشى الجمود.
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ما زالت بعض حفلات الزواج الجماعي تحقق الأهداف التي أُنشئت من أجلها؟ أم أنها بدأت – شيئاً فشيئاً – تستنسخ بعض المظاهر التي جاءت أصلاً لمعالجتها؟
إن العمل المؤسسي الحديث يقوم على التخطيط والقياس والتحليل والتطوير المستمر، بينما لا تزال بعض حفلات الزواج الجماعي تُدار بالاجتهاد أكثر مما تُدار بالمنهجية. فلا توجد في كثير من الأحيان مؤشرات أداء واضحة، ولا قواعد بيانات دقيقة، ولا تقارير لقياس رضا العرسان والحضور، ولا تحليل للنجاحات والإخفاقات، وكأن المناسبة تبدأ من الصفر كل عام.
والحقيقة أن حفلاً يحضره آلاف الأشخاص، وتشارك في تنظيمه لجان متعددة، وتُنفق عليه مبالغ كبيرة ؛ يستحق أن يُدار بعقلية المؤسسات لا بعقلية المناسبات العابرة. فالانطباعات تُرضي اللحظة، أما الأرقام فتبني المستقبل، وما لا يُقاس يبقى أسير الاجتهاد، وما يُقاس يصبح قابلاً للتحسين.
ومن أبرز القضايا التي تستحق الوقوف عندها مسألة التفاوت بين العرسان داخل الزواج الجماعي نفسه. فالفكرة قائمة على التكامل والمساواة، ومع ذلك تظهر أحياناً صور من التباين في الاستقبال أو الحضور أو الفعاليات المصاحبة، حتى يبدو بعض العرسان أكثر حضوراً من غيرهم داخل مناسبة يفترض أن تذيب الفوارق لا أن تعيد إنتاجها.
فالزواج الجماعي ليس مشروع منافسة، بل مشروع شراكة. وليس من المقبول أن يحتفل عريس على حساب عريس، أو أن تُمنح مساحات استثنائية لبعض المشاركين دون غيرهم، لأن العدالة التنظيمية ليست تفصيلاً إدارياً، بل جزء من كرامة المشاركين ونجاح الفكرة ذاتها.
ومن هنا ؛ تبرز أهمية توحيد كثير من المراسم والإجراءات والفعاليات، ووضع ضوابط واضحة تمنع أي مظهر من مظاهر التمييز أو التفرد، بحيث يشعر الجميع أنهم شركاء في النجاح ذاته، لا متنافسون على منصة واحدة. فالزواج الجماعي ينجح حين يذوب «أنا» في «نحن».
كما أن تضخم أعداد المدعوين أصبح ظاهرة تستحق المراجعة. فالقوائم تتسع أحياناً بصورة تفوق الحاجة الطبيعية، وتتداخل فيها دوائر الأقارب والأصدقاء والجيران والزملاء والوجهاء والشخصيات الاعتبارية والمعارف، حتى تتحول المناسبة إلى حشدٍ ضخم يصعب التحكم فيه أو تقدير احتياجاته بدقة.
والنتيجة الطبيعية لذلك ؛ هي ظهور فجوة بين عدد الحضور الفعلي وبين الطاقة الاستيعابية للقاعات، أو بين أعداد الضيوف وبين وجبات العشاء المقدمة لهم، فتحدث حالات ازدحام أو نقص أو هدر. وليست المشكلة في كثرة الحضور، بل في غياب التخطيط للحضور، فالفوضى تستهلك الموارد بينما التنظيم يصنع البركة.
ولو طُبقت أدوات القياس الحديثة، وتم تحليل أعداد الحضور في الأعوام السابقة، ورُبطت بخطط الضيافة والمساحات المتاحة، لأمكن الوصول إلى قدر أكبر من الكفاءة والعدالة وحسن الإدارة.
كما أن من المهم إعادة النظر في أعداد الوجهاء والشخصيات الاعتبارية المدعوة، فالمناسبة في نهاية المطاف حفل للعرسان وأسرهم، وليست مؤتمراً عاماً. ولا شك أن حضور الوجهاء محل تقدير واحترام، لكن الإفراط في توسيع هذه الدائرة قد يزاحم الهدف الأساسي للمناسبة ويُحمّلها ما لا تحتمل.
ومن القضايا التي تستحق وقفة صريحة أيضاً ؛ ثقافة «المحجوز» التي تظهر في بعض المناسبات. فهذه الكلمة الصغيرة قد تحمل في داخلها رسائل كبيرة من الإقصاء والانتقائية، وتتناقض مع روح الزواج الجماعي التي يفترض أن تقوم على الاحتواء والمساواة والشعور الجمعي بالفرح.
أما في جانب الاستقبال ؛ فقد آن الأوان للتفكير في بدائل أكثر أناقة وتنظيماً من مكبرات الصوت التي تتوقف عند كل شخصية أو اسم أو وفد. ويمكن للمنصة الإعلامية الحديثة أن تؤدي هذا الدور بكفاءة أعلى من خلال شاشات العرض والتنويهات المرئية والرسائل الترحيبية المنظمة، بما يحفظ هيبة المناسبة ويمنح الجميع حقهم من التقدير دون إرباك للبرنامج.
وفي الحقيقة ؛ فإن المنصة الإعلامية لا ينبغي أن تكون مجرد ناقل للأحداث، بل صانعاً للرسالة. فهي قادرة على تحويل الحفل من مناسبة عابرة إلى مشروع توعوي مؤثر، يغرس القيم ويعالج بعض الظواهر الاجتماعية التي ما زالت تثقل كاهل الشباب والأسر.
ومن أهم هذه القضايا: المغالاة في المهور، والتوسع في تكاليف الزواج، والبذخ الذي تجاوز في بعض الأحيان حدود الحاجة إلى حدود الاستعراض.
فالزواج في جوهره بناء أسرة، لا بناء مشهد. والاستقرار لا تصنعه قيمة المهر، ولا عدد الذبائح، ولا حجم القاعة، ولا كثافة الحضور. والمظاهر تملأ العيون لساعات، أما الاستقرار فيملأ الحياة لسنوات.
وكم من زواجٍ بسيط باركه الله فدام أثره، وكم من مظاهر صاخبة انتهى بريقها بانتهاء ليلتها الأولى.
ولهذا ؛ يمكن توظيف فقرات الحفل بصورة ذكية لتمرير رسائل اجتماعية راقية؛ من خلال عروض مرئية، أو قصص نجاح، أو إحصاءات واقعية، أو تجارب لأسر اختارت التيسير فحصدت البركة والاستقرار. فليس المطلوب أن نُجمّل ليلة الزواج فحسب، بل أن نُسهّل طريق الزواج كله.
كما أن فقرات الحفل نفسها بحاجة إلى مراجعة وتطوير. فما زالت بعض البرامج تدور في إطار تقليدي متكرر، يتشابه في كل عام حتى أصبحت مفاجآته معروفة قبل أن تبدأ.
والأجدر أن تتحول المناسبة إلى مساحة للإبداع والتجديد، وأن تُصمم الفقرات بعناية، بحيث تجمع بين المتعة والرسالة والاختصار، بعيداً عن التكرار والإطالة واستهلاك الوقت. فالإبداع في الحفلات ليس في كثرة الفقرات، بل في جودة الفكرة.
وفي الجانب الشعري تحديداً ؛ فإن تكرار الأسماء ذاتها، والأساليب ذاتها، والمضامين ذاتها، يفقد الفقرة شيئاً من بريقها وتأثيرها. والمطلوب هو تنويع المحتوى، وإتاحة الفرصة للأفكار الجديدة، وتقديم الشعر بوصفه قيمة جمالية تخدم المناسبة لا فقرة ثابتة تؤدى على سبيل العادة.
كما أن اختيار المتحدثين وأصحاب الكلمات يجب أن يخضع لمعايير النوعية والكفاءة والقدرة على الإضافة، بعيداً عن المجاملات أو التكرار أو الإقصاء.
أما المسرح ؛ فهو الواجهة البصرية للحفل، وأي فوضى فيه تنعكس مباشرة على الصورة الذهنية لدى الحضور. ولذلك ؛ فإن تنظيم الحركة عليه، وتقنين الصعود إليه، وضبط فقراته زمنياً، يعد من أهم مؤشرات نجاح المناسبة.
إن نجاح الزواج الجماعي لا يُقاس بعدد المقاعد الممتلئة، ولا بعدد السيارات في المواقف، ولا بحجم التغطية الإعلامية، بل يُقاس بمدى تحقيق أهدافه، وعدالة تنظيمه، وكفاءة إنفاقه، ورضا المشاركين فيه.
فالمؤسسات الناجحة لا تكتفي بالعمل، بل تقيس أثر العمل. ولا تكتفي بإقامة الحدث، بل تدرس نتائجه. ولا تكرر التجربة كما هي، بل تطورها عاماً بعد عام.
ولذلك فإن الزواج الجماعي يحتاج إلى تقارير أداء دورية، وقواعد بيانات دقيقة، ومؤشرات قياس واضحة، وتحليل للانحرافات التنظيمية، ومعالجة مستمرة للسلبيات، وتعزيز دائم للإيجابيات.
ويبقى المبدأ الأهم ؛ أن الزواج الجماعي مشروع تكافل لا مشروع تفاخر، ومنصة مساواة لا ساحة منافسة، ورسالة تنموية لا مناسبة دعائية.
وحين تتكامل اللجان، وتتحد الرؤية، وتتراجع الفردية، وتحضر المؤسسية، ويُستثمر الإعلام في بناء الوعي، وتُوظف الفقرات في خدمة المجتمع، وتُدار الموارد بكفاءة وعدالة؛ فإننا لا نصنع حفلاً ناجحاً فحسب، بل نصنع ثقافة اجتماعية أكثر نضجاً، ونموذجاً حضارياً أكثر استدامة.
فالمناسبات العظيمة لا تكتفي بصناعة الفرح، بل تصنع الوعي أيضاً. ولا تُخلَّد بكثرة ما أُنفق فيها، بل بعِظم ما تركته من أثر.
ولعل أجمل ما يمكن أن يُقال في هذا المقام:
ليس النجاح أن يحضر آلاف الأشخاص، بل النجاح أن يجد كل حاضر مكانه، وكل ضيف حقه، وكل عريس قدره، وكل ريال أثره.
الزواج الجماعي مشروع اجتماعي عظيم، لكنه يحتاج إلى إدارةٍ توازي نُبل فكرته.