بقلم - د. سعود عقل
بصفتي رئيس مجلس حي ابحر التابع لجمعية مراكز الاحياء بجدة اكتب لكم هذا المقال لعله يحقق للغاية التي ارمي اليها حيث اننا في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة وتتغير فيه أنماط التواصل الإنساني بصورة غير مسبوقة، تبرز العديد من التساؤلات حول طبيعة العلاقات الاجتماعية التي تربط أفراد المجتمع بعضهم ببعض. ومن بين هذه العلاقات تظل علاقة الجار بجاره واحدة من أهم الروابط الإنسانية وأكثرها تأثيراً في استقرار المجتمعات وتماسكها. ورغم أن الأحياء السكنية الحديثة أصبحت أكثر تنظيماً وتطوراً من الناحية العمرانية، إلا أن كثيراً من العلاقات الاجتماعية التي كانت تمنح تلك الأحياء روحها وحيويتها بدأت تتراجع، وفي مقدمتها ثقافة الجيرة التي كانت تمثل يوماً من الأيام نموذجاً فريداً للتكافل والتعاون والتواصل الإنساني.
لقد عرف المجتمع السعودي، شأنه شأن كثير من المجتمعات العربية، نمطاً اجتماعياً قائماً على الترابط والتقارب بين الجيران. وكانت الأحياء السكنية أشبه بأسرة كبيرة تجمعها المعرفة المتبادلة والمواقف المشتركة. فالجار يعرف جاره، ويتفقد أحواله، ويشاركه أفراحه وأحزانه، ويقف معه عند الحاجة. وكانت البيوت متقاربة، لكن القلوب كانت أقرب منها، حيث تشكلت منظومة اجتماعية ساهمت في توفير الشعور بالأمان والانتماء والاستقرار.
أما اليوم، فقد تغيرت ملامح الحياة بشكل كبير. فقد أدت التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية إلى ظهور أنماط جديدة من العيش والتواصل. وأصبح كثير من الناس يقضون معظم أوقاتهم بين العمل والتنقل واستخدام الأجهزة الذكية، الأمر الذي انعكس على طبيعة العلاقات الاجتماعية المباشرة. ولم يعد غريباً أن يسكن شخص سنوات طويلة في حي واحد دون أن تربطه علاقة حقيقية بجيرانه، أو أن يجهل أسماء الكثير ممن يقطنون بالقرب منه.ولا يمكن النظر إلى هذا التراجع باعتباره مجرد تغير في العادات الاجتماعية، بل ينبغي التعامل معه باعتباره قضية لها أبعادها الاجتماعية والنفسية والإنسانية. فالجيرة ليست مجرد علاقة مكانية تفرضها حدود السكن، وإنما هي علاقة اجتماعية تسهم في تشكيل البيئة التي يعيش فيها الإنسان يومياً. وكلما كانت هذه العلاقة إيجابية وقوية، انعكس ذلك على مستوى جودة الحياة داخل المجتمع.ومن أهم الأسباب التي تجعلنا بحاجة إلى إعادة إحياء ثقافة الجيرة أن الإنسان بطبيعته كائن اجتماعي يحتاج إلى الشعور بالانتماء والقبول والدعم من محيطه. فعلى الرغم من انتشار وسائل التواصل الحديثة، لا يزال التواصل المباشر يحتفظ بقيمته وأثره العميق في حياة الأفراد. فالرسائل الإلكترونية والمحادثات الرقمية لا تستطيع أن تحل محل المواقف الإنسانية الحقيقية التي تتجسد في زيارة مريض، أو مواساة متضرر، أو مساعدة محتاج، أو مشاركة فرحة نجاح أو مناسبة اجتماعية.
كما أن ثقافة الجيرة تمثل أحد أهم عناصر تعزيز الأمن المجتمعي. فالحي الذي تسوده المعرفة والتعاون بين سكانه يكون أكثر قدرة على حماية أفراده والحفاظ على استقراره. وعندما يشعر كل فرد بأن هناك من يهتم لأمره ويتابع أحواله، فإن ذلك يخلق شبكة اجتماعية غير رسمية تسهم في الحد من كثير من المشكلات وتعزز الشعور بالطمأنينة لدى الجميع.
وتتجلى أهمية الجيرة أيضاً في أوقات الأزمات والطوارئ. فمهما تطورت الخدمات والمؤسسات، يظل الجار في كثير من الأحيان أول من يستطيع تقديم المساعدة عند الحاجة. وقد أثبتت العديد من المواقف أن العلاقات القوية بين الجيران تلعب دوراً محورياً في تجاوز الظروف الصعبة، سواء كانت صحية أو اجتماعية أو إنسانية. ولذلك فإن قوة المجتمع لا تقاس فقط بما يمتلكه من إمكانات مادية، بل أيضاً بقدرته على تفعيل روح التعاون والتكافل بين أفراده.ومن زاوية أخرى، فإن تراجع ثقافة الجيرة ينعكس بشكل مباشر على الأجيال الجديدة. فالأطفال الذين ينشؤون في بيئة تسودها العزلة الاجتماعية قد يفقدون كثيراً من المهارات والقيم المرتبطة بالتفاعل الإنساني والتعاون واحترام الآخرين. بينما يكتسب الأطفال في الأحياء المترابطة خبرات اجتماعية مهمة تساعدهم على بناء شخصيات متوازنة وقادرة على التواصل الإيجابي مع المجتمع.وفي المجتمع السعودي تحديداً، تكتسب ثقافة الجيرة أهمية خاصة لارتباطها بالقيم الدينية والاجتماعية الراسخة. فقد أولى الإسلام حقوق الجار عناية كبيرة، وجعل الإحسان إليه من علامات كمال الأخلاق وحسن المعاملة. ولم يكن ذلك من قبيل المصادفة، بل لأن استقرار المجتمعات يبدأ من استقرار العلاقات القريبة التي يعيشها الإنسان في حياته اليومية. فكلما كانت هذه العلاقات قائمة على الاحترام والتعاون والتراحم، انعكس ذلك على المجتمع بأسره.ومع ما تشهده المملكة من تحولات تنموية كبيرة في إطار رؤية السعودية 2030، برز الاهتمام بتحسين جودة الحياة وتعزيز المشاركة المجتمعية وبناء مجتمعات أكثر حيوية وتماسكاً. وهنا تبرز ثقافة الجيرة كأحد المكونات الأساسية التي يمكن أن تسهم في تحقيق هذه الأهداف. فالمشروعات العمرانية المتطورة تحتاج إلى بيئة اجتماعية متماسكة تمنحها الحياة والمعنى، وتجعل من الأحياء السكنية مجتمعات نابضة بالعلاقات الإنسانية الإيجابية.إن إعادة إحياء ثقافة الجيرة لا تتطلب العودة إلى أنماط الحياة القديمة بحذافيرها، بل تحتاج إلى استعادة القيم الجوهرية التي قامت عليها تلك الثقافة. ويمكن تحقيق ذلك من خلال تشجيع المبادرات المجتمعية داخل الأحياء، لا سيما وان هناك جمعيات لمراكز الاحياء كفلت المقرات وتنظيم الأنشطة الاجتماعية، وتعزيز التواصل بين السكان، وترسيخ مفهوم المسؤولية المشتركة تجاه الحي والمجتمع. كما يمكن للمدارس ووسائل الإعلام والمؤسسات الاجتماعية أن تؤدي دوراً مهماً في نشر الوعي بأهمية الجيرة وآثارها الإيجابية.وفي النهاية، فإن المجتمعات القوية لا تُبنى بالأنظمة والقوانين وحدها، بل تبنى كذلك بالعلاقات الإنسانية التي تربط أفرادها. وثقافة الجيرة ليست مجرد ذكرى من الماضي أو قيمة اجتماعية تقليدية، بل هي ضرورة معاصرة تزداد أهميتها في عالم يتجه شيئاً فشيئاً نحو الفردية والعزلة. ومن هنا فإن إعادة إحياء هذه الثقافة تمثل استثماراً حقيقياً في الإنسان وفي استقرار المجتمع ومستقبله، لأنها تعيد بناء الجسور بين الناس وتمنح الحياة اليومية مزيداً من الأمان والتعاون والدفء الإنساني الذي لا غنى عنه مهما تغيرت الظروف وتطورت وسائل الحياة.