الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٧ يونيو-٢٠٢٦       3355

بقلم-عبدالمحسن محمد الحارثي

لا تسقط الإمبراطوريات عادةً عندما تشتد سواعد خصومها، بل عندما تضعف قدرتها على رؤية نفسها. 
فالتاريخ لم يكن يوماً سجلاً لانتصارات القوة وحدها، بقدر ما كان سجلاً لأخطاء القوى التي اعتقدت أن انتصاراتها كافية لحمايتها من السقوط.

ولذلك ؛ فإن الإمبراطوريات لا تبدأ بالانهيار عندما تفقد سلاحها، بل عندما تفقد بصيرتها.

في البدايات،
 ؛ تكون الدول أكثر تواضعاً، وأكثر التصاقاً بالواقع، وأشد حرصاً على بناء الثقة وكسب الحلفاء. 
أما في ذروة القوة ؛ فيبدأ خطر آخر بالتشكل؛ خطر الغرور. 
ذلك المرض السياسي الذي يجعل الدولة تخلط بين القدرة على التأثير والقدرة على الاستمرار، وبين التفوق المؤقت والتفوق الدائم.

ومن هنا ؛ تبدأ الحكاية التي تكررت عشرات المرات في التاريخ، وإن اختلفت الأسماء والأعلام واللغات.

فالإمبراطوريات لا تسقط لأنها أخطأت مرة، بل لأنها اعتادت الخطأ حتى ظنته صواباً.

وحين تبلغ القوة ذروتها، كثيراً ما تصاب بوهم الاستثناء. 
تتصرف وكأن القواعد التي حكمت من سبقها لا تنطبق عليها، وكأن سنن التاريخ توقفت عند حدود نفوذها. 
لكنها تكتشف متأخرة أن التاريخ لا يعرف المفضّلين، ولا يمنح أحداً حصانة دائمة.
ولهذا قال المؤرخ أرنولد توينبي: "الحضارات لا تُغتال، بل تنتحر".
وهي عبارة تختصر قروناً من التجارب البشرية؛ فالسقوط يبدأ غالباً من الداخل قبل أن يظهر في الخارج، ومن العقل قبل أن يصل إلى الحدود.

حينها تصبح القوة أقل استعداداً للاستماع، وأكثر ميلاً إلى الإملاء. 
ويحل اليقين محل المراجعة، والعناد محل الحكمة، وتتحول النصيحة إلى إزعاج، والنقد إلى خصومة.

وفي بداية الصعود ؛ تبحث الدولة عن الحقيقة لتبني قوتها، أما في بداية السقوط فإنها تبحث عن المبررات لتحمي صورتها.

وحين تلجأ الإمبراطورية إلى فرض إرادتها بالقرصنة السياسية أو الاقتصادية ؛ فإنها قد تربح جولة، لكنها تخسر رصيداً لا يمكن شراؤه بالقوة: إنها الثقة. 
فالقوة تستطيع أن تنتزع الامتثال، لكنها تعجز عن انتزاع الاحترام.

وعندما تعقد الاتفاقات ثم تتعامل معها بوصفها أوراقاً مؤقتة تخضع لتقلبات المصالح ؛ فإنها لا تضعف خصومها بقدر ما تضعف صورتها هي. 
فالمصداقية ليست ترفاً أخلاقياً في السياسة، بل أصلٌ من أصول القوة.

ومع تكشف الحقائق ؛ تعود إلى طاولات التفاوض، لكنها لا تعود بالشغف نفسه، ولا بالمكانة نفسها. 
فالقوة التي كانت تملي الشروط تجد نفسها منشغلة بالدفاع عن قراراتها، بدلاً من صياغة مستقبلها.

ومن العلامات المبكرة للأفول ؛ أن تتعدد القرارات وتتضارب الاتجاهات. فالانهيارات الكبرى لا تبدأ من الجبهات البعيدة، بل من داخل غرف القرار.
وقد أدرك مونتسكيو هذه الحقيقة حين قال: "فساد كل حكومة يبدأ من فساد مبادئها". 
فحين تتآكل المبادئ ؛ تبدأ المؤسسات بالتآكل معها، وحين تضيع البوصلة، يصبح الضجيج بديلاً عن الرؤية.

إن الإمبراطوريات الواثقة ؛ تصنع الحلفاء، أما الإمبراطوريات القلقة فتصنع التابعين. 
والحليف يبقى عند الشدائد، أما التابع فيغادر عند أول منعطف.

ولهذا قلّما نجد قوةً راسخة تبتز حلفاءها أو تتعامل معهم بمنطق الجباية السياسية والاقتصادية. 
فإذا تحولت العلاقة من الشراكة إلى الابتزاز ؛ فاعلم أن القلق يتسلل إلى الداخل، مهما بدا المشهد الخارجي صاخباً.
غير أن أخطر ما يصيب الإمبراطوريات ليس الخطأ السياسي، بل الخلل الأخلاقي.

فعندما تُقدَّم العنصرية على المصلحة، والأهواء على المبادئ، والانحياز على العدالة ؛ يبدأ الانحدار الحقيقي. 
فالدولة التي تقف مع المعتدي لأنه قوي، وتتجاهل المعتدى عليه لأنه ضعيف ؛ تظن أنها تحمي مصالحها، بينما تكون في الحقيقة تستنزف شرعيتها الأخلاقية والسياسية معاً.

فالظلم قصير النظر بطبيعته؛ يرى المكاسب القريبة ويعجز عن رؤية الخسائر البعيدة.
ومكيالان لا يصنعان عدالة، كما أن ميزاناً مختلاً لا يصنع استقراراً.
وقديماً قال سينيكا: "كل سلطة تتجاوز حدودها؛  تعجّل نهايتها". 

ولعل هذا هو الوصف الأدق لحال القوى التي يغرّها نجاحها، فتظن أن التوسع المستمر دليل صحة، بينما يكون أحياناً أول أعراض الإرهاق.

إن الطغيان لا يسقط الدول فجأة، بل ينخر فيها ببطء. يبدأ بإسكات الأصوات المختلفة، ثم بإقصاء النصائح الصادقة، ثم بتحويل الخطأ إلى سياسة، والسياسة إلى عقيدة لا يجوز الاقتراب منها.
وعندما يحضر الطغيان ؛ يبدأ النعش في التشكل، ويُفتح القبر بصمت.

فالدول تسقط مرتين: مرة حين تفقد بوصلتها، ومرة حين تدرك أنها فقدتها.
ولذلك ؛ لم تسقط الإمبراطوريات الكبرى يوم خسرت معركة، بل يوم خسرت قدرتها على مراجعة نفسها.

إن أخطر لحظة في عمر القوة ليست لحظة الضعف، بل لحظة الغرور. 
ففي تلك اللحظة ؛ تتوقف عن التعلم، وتتوقف عن الإصغاء، وتتوقف عن رؤية التشققات التي تتسع تحت أقدامها.

والإمبراطوريات لا تُفاجَأ بالسقوط، بل تُفاجَأ بأن الآخرين اكتشفوا سقوطها قبل أن تعترف هي به.

ولذلك ؛ فإن الأمم العاقلة لا تخشى قوة الإمبراطوريات بقدر ما تراقب سلوكها. فالقوة في ذاتها ليست نذير سقوط ؛ أما الغطرسة فنذير سقوط. 
والنفوذ ليس علامة أفول ؛ أما إساءة استخدامه فعلامة أفول. 
والتفوق ليس مشكلة ؛ لكن المشكلة تبدأ حين يقتنع المتفوق أن نجاحه يعفيه من المراجعة، أو أن قوته تضعه فوق قواعد العدالة والتاريخ.

وعندما تصبح المصالح بديلاً عن المبادئ، والابتزاز بديلاً عن الشراكة، والانحياز بديلاً عن الإنصاف، فإن الإمبراطورية تكون قد دخلت المرحلة التي يسبق فيها الضجيجُ الانهيار، وتسبق فيها الشعاراتُ الحقائق.

هناك ، في آخر الطريق ؛ تصطف الإمبراطوريات الراحلة في طابور التاريخ الطويل. 
بعضها حاول العودة فلم يستطع، وبعضها أراد استعادة أمجاده فلم يجد إليها سبيلاً.

فالتاريخ لا يعيد الفرصة ذاتها مرتين، ولا يمنح الموقع نفسه لمن أضاع شروط البقاء.

قال ويل ديورانت إن الحضارة نهرٌ ذو ضفتين، والناس يرون النهر بينما يرى التاريخ الضفتين معاً. 
ولعل أعظم ما يغيب عن القوى الكبرى ؛ أنها ترى حاضرها فقط، بينما يرى التاريخ حاضرها ومستقبلها في آنٍ واحد.

ولهذا ؛ فإن البقاء ليس للأقوى دائماً، بل للأعدل والأحكم والأقدر على فهم سنن الاستمرار. 
فمن عرف حدود قوته قبل حدود خصومه، وأقام العدل قبل أن يطلب الولاء، ووازن بين المصالح والمبادئ ؛ استطاع أن يطيل عمر حضوره في المشهد.

أما من أوغل في الظلم، وكال بمكيالين، واعتقد أن القوة تغنيه عن الحكمة، وأن الخوف يغنيه عن الاحترام، وأن الهيمنة تغنيه عن الشرعية ؛ فقد بدأ بالفعل في كتابة نهايته بيده.

قال توينبي إن الحضارات لا تُغتال، بل تنتحر. 
وربما كان يقصد ؛ أن السقوط لا يبدأ عند الأسوار، بل عند الأفكار التي تسكن خلفها. 
فالإمبراطوريات ؛ لا تفنى لأنها فقدت القدرة على القتال، بل لأنها فقدت القدرة على التعلم، ولا تضعف لأنها خسرت معركة، بل لأنها خسرت ميزان العدالة الذي كانت تزن به نفسها والآخرين.

وحين تعجز القوة عن رؤية حدودها ؛ يبدأ التاريخ برسم حدودها الجديدة. وحين تتوقف عن تصحيح أخطائها ؛ يبدأ الزمن بتصحيحها على طريقته الخاصة.

عندها لا يعود السؤال: هل ستسقط؟
بل: كم بقي من الوقت على إعلان السقوط الذي بدأ منذ زمن؟

فالإمبراطوريات .. لا يقتلها خصومها دائماً؛ كثيراً ما تتكفل هي بالمهمة، ثم يأتي التاريخ ليكتب شهادة الوفاة!!