الكاتب : النهار
التاريخ: ٠١ يونيو-٢٠٢٦       1815

بقلم ـ حسن القبيسي 
وسط أجواء مبهرة وتنظيم استثنائي، احتضنت إيطاليا كأس العالم 1990 في بطولة بقيت عالقة بالأذهان بسبب مفارقة غريبة؛ ملاعب فاخرة وموسيقى ساحرة، مقابل كرة قدم دفاعية وندرة تهديفية غير مسبوقة. وفي النهاية، نجحت ألمانيا الغربية في الثأر من الأرجنتين ودييغو مارادونا، لتتوج بلقبها العالمي الثالث بعد خسارة نهائيي 1982 و1986.

حصلت إيطاليا على شرف الاستضافة للمرة الثانية في تاريخها بعد نسخة 1934، متفوقة على الاتحاد السوفياتي في التصويت. وحرصت السلطات الإيطالية على تقديم نسخة استثنائية، فجرى تحديث عشرة ملاعب كبرى، أبرزها الملعب الأولمبي في روما وملعب سان سيرو في ميلانو، كما شهدت البطولة أول نقل تلفزيوني عالي الدقة، بينما أصبحت أغنية لوتشيانو بافاروتي الشهيرة رمزاً خالداً للمونديال.

لكن رغم هذا البريق، جاءت المباريات فقيرة تهديفياً بمعدل بلغ 2.21 هدف فقط في اللقاء الواحد، وطغى الأسلوب الدفاعي على معظم المواجهات، ما دفع الاتحاد الدولي لاحقاً إلى تعديل بعض القوانين، مثل منع الحارس من التقاط الكرة المعادة من المدافعين ومنح الفوز ثلاث نقاط بدلاً من اثنتين.

النهائي جمع ألمانيا الغربية والأرجنتين في إعادة لمشهد مونديال 1986، لكنه جاء مختلفاً تماماً. فمارادونا الذي أذهل العالم قبل أربع سنوات، بدا عاجزاً أمام الرقابة اللصيقة التي فرضها المدافع غيدو بوخفالد، بينما حُسم اللقاء بركلة جزاء مثيرة للجدل سجلها أندرياس بريمه قبل النهاية بخمس دقائق، ليمنح الألمان الفوز بهدف دون رد.

وشهدت المباراة النهائية توتراً كبيراً، إذ طُرد لاعبان من الأرجنتين، فيما جلس مارادونا باكياً بعد صافرة النهاية بعدما أخفق في الاحتفاظ باللقب، قائلاً لاحقاً إنه كان قد وعد ابنته بإعادة الكأس إلى بوينس آيرس.

وفي الطريق إلى النهائي، لعبت نابولي دوراً محورياً في قصة مارادونا، عندما واجهت الأرجنتين إيطاليا في نصف النهائي على ملعب سان باولو. وحاول النجم الأرجنتيني استمالة جماهير المدينة الجنوبية ضد منتخب بلادها، مذكراً إياهم بأن الشمال الإيطالي ينظر إليهم باحتقار. ورغم تعاطف كثيرين معه، وقفت الجماهير في النهاية خلف المنتخب الإيطالي.

وكانت إيطاليا تعيش حلم التتويج بفضل تألق هداف البطولة سالفاتوري سكيلاتشي، الذي خطف الأضواء بستة أهداف رغم دخوله البطولة كلاعب احتياطي. لكن الحلم الإيطالي انتهى بركلات الترجيح أمام الأرجنتين، لتغرق البلاد في صدمة كبيرة.

المونديال شهد أيضاً واحدة من أجمل القصص الأفريقية، بعدما أصبحت الكاميرون أول منتخب من القارة السمراء يبلغ ربع النهائي. وقاد المخضرم روجيه ميلا منتخب بلاده بطريقة أسطورية، فسجل أربعة أهداف رغم بلوغه الثامنة والثلاثين، وخلّد احتفاله الراقص قرب الراية الركنية في ذاكرة الجماهير.

كما فجّرت الكاميرون مفاجأة مدوية في المباراة الافتتاحية بإسقاط الأرجنتين حاملة اللقب، قبل أن تودع البطولة بشق الأنفس أمام إنجلترا بعد التمديد.

أما هولندا، بطلة أوروبا آنذاك، فقد خرجت مبكراً وسط خلافات داخلية، وكان أبرز ما علق في الأذهان من مشوارها حادثة بصق فرانك ريكارد على الألماني رودي فولر في مباراة مشحونة بالدور الثاني.

وفي النهاية، حمل فرانتس بكنباور الكأس بطريقة تاريخية، ليصبح أول شخص يحقق لقب كأس العالم لاعباً ومدرباً، مؤكداً مكانته كأحد أعظم الشخصيات في تاريخ كرة القدم الألمانية.