الكاتب : النهار
التاريخ: ٣١ مايو-٢٠٢٦       3300

بقلم- علي  بن  عالي  السعدوني
ليس من السهل على الإنسان أن يقول ما يعتقده حقًا، فالكلمات لا تخرج دائمًا من أفواه أصحابها حرة كما تبدو، وإنما تعبر قبل ذلك ممرات طويلة من الحسابات الاجتماعية، وموازين القبول والرفض، ومخاوف الخسارة المعنوية، ورغبة الإنسان الدائمة في البقاء داخل المنطقة الآمنة التي لا تستفز أحدًا ولا تثير عليه موجات الاعتراض حتى أصبح كثير من الناس يفضلون الصمت على الكلام، أو يختارون العبارات التي ترضي الجمهور على الأفكار التي يعتقدون بصحتها.
هذا المعنى كان حاضرًا بقوة في فكر الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو الذي لم يكن يرى أن  الخوف  من إبداء الرأي مجرد حالة نفسية فردية، وإنما نتيجة لعلاقات السلطة التي تتغلغل داخل المجتمع، وتعيد تشكيل ما يمكن قوله وما لا يمكن قوله، وما يُستقبل بالترحيب وما يُستقبل بالرفض حتى يصبح الإنسان أحيانًا رقيبًا على نفسه قبل أن يكون هناك رقيب خارجي يراقبه أو يحاسبه.
وفوكو لا يقصد بالسلطة الحكومة أو القانون فقط، بل يقصد أيضًا سلطة العادة، وسلطة الرأي العام، وسلطة الجماعة، وسلطة الأفكار المستقرة التي تتحول مع الزمن إلى مسلمات يصعب الاقتراب منها أو مناقشتها، ولذلك فإن بعض الآراء لا تواجه الاعتراض لأنها خاطئة بالضرورة، وإنما لأنها اقتربت من منطقة اعتاد الناس أن تبقى بعيدة عن النقد أو المراجعة.
ومن هذا المنظور يمكن قراءة الجدل الواسع الذي صاحب تصريحات معالي وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد الدكتور عبداللطيف آل الشيخ، بشأن بعض الممارسات المرتبطة بالعمل الخيري، فقد انقسم الناس بين مؤيد رأى في حديثه دعوة إلى تعزيز الرقابة والشفافية وحماية أموال المتبرعين من أي استغلال أو تجاوز، وبين معارض رأى أن تلك التصريحات قد تُفهم على أنها تعميم لا يعكس الصورة الكاملة للقطاع الخيري وما يقدمه من جهود كبيرة ومبادرات إنسانية مؤثرة.
لكن اللافت في القضية ليس الاختلاف ذاته، فالاختلاف أمر طبيعي وصحي في أي مجتمع حي، وإنما حجم الحساسية التي رافقت النقاش، وكأن القضية تجاوزت مضمون التصريح إلى السؤال الأعمق المتعلق بحدود النقد وحدود المراجعة، وهل يمكن مناقشة أي قطاع أو مؤسسة أو نشاط اجتماعي دون أن يُفهم ذلك على أنه استهداف له أو انتقاص من قيمته؟
ولعل فوكو كان سيجد في هذا المشهد مثالًا واضحًا على ما كان يسميه العلاقة بين الحقيقة والسلطة، فالمجتمع لا يتفاعل دائمًا مع الأفكار وفق معايير عقلية مجردة، وإنما وفق شبكة واسعة من التصورات المسبقة والانتماءات العاطفية والصور الذهنية الراسخة، ولذلك قد يتحول النقاش من فحص الفكرة نفسها إلى الدفاع عن المواقف أو الهويات المرتبطة بها.
ومن أبرز الأفكار التي طرحها فوكو مفهوم (الباريسيا) أو شجاعة قول الحقيقة، وهي الفكرة التي تقوم على أن الفضيلة لا تكمن في امتلاك الرأي فحسب، وإنما في القدرة على التعبير عنه عندما يكون التعبير عنه مكلفًا أو غير شعبي أو مثيرًا للجدل؛ لأن كثيرًا من الناس يستطيعون قول ما يحبه الجمهور، بينما القليل من يملكون القدرة على قول ما يعتقدون أنه صحيح عندما يعلمون أن ذلك قد يجلب لهم النقد أو الاعتراض.
وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي تبدو هذه الفكرة أكثر حضورًا من أي وقت مضى، فالمساحات المفتوحة للتعبير لم تُنهِ  الخوف  من إبداء الرأي، وإنما غيرت أشكاله وأدواته، فأصبح الإنسان يفكر في ردود الأفعال قبل أن يفكر في الفكرة ذاتها، ويحسب أثر الكلام على صورته الاجتماعية قبل أن يحكم على قيمة الكلام نفسه، حتى باتت بعض الآراء تُخفى لا لضعف حجتها، وإنما خشية ما قد يترتب عليها من تبعات اجتماعية أو إعلامية.
إن الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من فوكو أن المجتمعات لا تتقدم عندما تختفي الاختلافات، وإنما عندما تمتلك القدرة على إدارة الاختلاف بعقلانية، وعندما يصبح النقاش منصبًا على الفكرة لا على صاحبها، وعلى الحجة لا على الانتماء، وعلى البحث عن الحقيقة لا عن الانتصار في الجدل؛ لأن الحقيقة لا تواجه الخطر فحسب عندما تُمنع بالقوة، بل تواجهه أيضًا عندما يصبح الناس غير مستعدين لسماعها أو مناقشتها بهدوء وإنصاف.
ولهذا فإن قيمة أي نقاش عام لا تُقاس بعدد المؤيدين أو المعارضين، وإنما بقدرته على توسيع دائرة الفهم، وتعزيز ثقافة المراجعة والنقد المسؤول، وترسيخ القناعة بأن المؤسسات القوية والأفكار الراسخة لا تضعف بالحوار، وإنما تزداد قوة كلما كانت أكثر استعدادًا للاستماع والمراجعة والمساءلة.