الكاتب : النهار
التاريخ: ٣٠ مايو-٢٠٢٦       3135

بقلم- ليلى محمد القبي 
حين تتجه أنظار العالم إلى المشاعر المقدسة في موسم الحج، فإنها لا تتابع تجمعاً بشرياً هو الأكبر من نوعه فحسب، بل تشهد نموذجاً استثنائياً في الإدارة والإنسانية والتنمية، تقوده المملكة العربية السعودية باقتدار جعل من خدمة ضيوف الرحمن رسالةً وطنية سامية، ومشروعاً حضارياً متجدداً تتوارثه الأجيال وتطوره الرؤى والطموحات ، ففي كل موسم حج تبرهن المملكة أن ما تقدمه للحجاج يتجاوز حدود التنظيم والخدمات، ليصل إلى صناعة تجربة إيمانية متكاملة تُبنى على الكرامة والطمأنينة واليسر، وتُدار بمنظومة متقدمة تجمع بين التقنية الحديثة والقيم الإنسانية الرفيعة ، وفي حج هذا العام، برزت إحدى أروع صور هذا التميز من خلال المبادرات النوعية التي نفذتها وزارة الحج والعمرة بالشراكة مع المجلس التخصصي لجمعيات الأشخاص ذوي الإعاقة، حيث تحوّل مفهوم التمكين من شعار يُرفع إلى واقع يُلمس، ومن فكرة تُتداول إلى تجربة تُعاش في تفاصيل الرحلة كافة ، فقد تجسدت معاني الشمول والإتاحة في خدمات ومبادرات ميدانية مكّنت الأشخاص ذوي الإعاقة من أداء مناسكهم بيسر واستقلالية وكرامة، في صورة مشرقة تعكس المكانة التي يحظى بها الإنسان في وطن جعل من جودة الحياة وتمكين الفئات كافة أحد أهم مرتكزات نهضته التنموية.
لقد حملت هذه الجهود رسالة إنسانية بالغة العمق، مفادها أن الوصول إلى البيت الحرام والمشاعر المقدسة حقٌ للجميع، وأن اختلاف القدرات لا ينبغي أن يكون عائقاً أمام أداء الشعائر أو عيش التجربة الإيمانية بكل ما تحمله من سكينة وطمأنينة. ومن هنا تلاقت الخبرات، وتكاملت الإمكانات، وتوحدت الجهود لصناعة تجربة حج أكثر شمولاً وعدالة وإنسانية، بما يجسد القيم الراسخة التي قامت عليها هذه البلاد المباركة، ويؤكد أن خدمة الحاج تبدأ من احترام احتياجاته وتنتهي بصون كرامته وتعزيز استقلاليته.
وما تحقق على ثرى المشاعر المقدسة ليس نجاحاً تنظيمياً عابراً يُضاف إلى سلسلة النجاحات المتلاحقة التي تحققها المملكة في مواسم الحج، بل هو انعكاس حي لرؤية وطنية عظيمة تؤمن بأن التنمية الحقيقية تُقاس بمدى وصول أثرها إلى الإنسان، وبقدرتها على إزالة الحواجز وتمكين الجميع من المشاركة الكاملة في الحياة والعبادة والمجتمع ، فالمملكة التي أبهرت العالم بقدرتها على إدارة الحشود المليونية بكفاءة واقتدار، تواصل في الوقت ذاته تقديم نموذج إنساني متفرد يجعل من راحة الحاج وكرامته أولوية لا تقل أهمية عن أي جانب تنظيمي أو تشغيلي.
وهكذا، وبين نداءات التلبية ومشاهد الخشوع التي تملأ أرجاء المشاعر المقدسة، تتجلى صورة المملكة في أبهى معانيها؛ دولة سخّرت إمكاناتها ومواردها وخبراتها لخدمة ضيوف الرحمن، وجعلت من الحج رحلة إيمانية استثنائية تفيض بالطمأنينة والكرامة والتمكين ، ومع كل موسم جديد تكتب المملكة صفحة أكثر إشراقاً في سجل الريادة، مؤكدة للعالم أن خدمة الحجاج ليست مهمة موسمية فحسب، بل رسالة حضارية خالدة، تتجلى على ثرى المشاعر من خلالها أبهى صور العطاء وأسمى معاني التمكين.