الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٣ مايو-٢٠٢٦       2475

بقلم- إيمان حماد الحماد
 
في مكةَ تخلعُ الأرواحُ أثوابَ العناء، وتكتسي القلوبُ بياضَ الطهرِ والصفاء، حيثُ الكعبةُ غُرةٌ في جبهةِ الوجود، وملاذٌ تشتاقُ إليهِ جموعُ الوفود، فما إن يرتفعَ نداءُ الخليلِ في الآفاق، حتى تهوي الأفئدةُ من كلِّ فجٍّ بعيدٍ بوفاءٍ واشتياق، يطوفون بالبيتِ العتيقِ كالفراشِ حولَ الضياء، ويناجون رباً يملكُ خزائنَ الأرضِ والسماء، في مشهدٍ يذوبُ فيهِ الفارقُ بينَ السيدِ والمسود، ويتحدُ فيهِ المقصدُ والموجود، حتى إذا ما أشرقت شمسُ عرفات، فاضت من الخشيةِ العبرات، وتنزلت الرحماتُ على صعيدٍ شهدَ تجلي الوداد، وغسلَ بفيضِ المغفرةِ أوزارَ العباد، فكأنَّ الحجيجَ في بياضِهم بحرٌ من نور، تلاطمت أمواجُه تسبيحاً لله الغفور، لينتقلوا من بعدِ الوجدِ إلى يومِ العيد، يومِ الجائزةِ والسرورِ الجديد، فتظل النفوس له ناظرة ،وتترقبه القلوب الطاهرة، فتشرقُ فيهِ البسمةُ على الشفاه، ويجدُ فيهِ الفقيرُ غناهُ ومأواه، فالمسلمُ في عيدهِ يجمعُ بينَ تعظيمِ الشعارِ وتطييبِ الخاطر، وينظرُ إلى نحرِ القرابينِ كرمزٍ لذبحِ الكبرِ في السرائر، فلا يكتملُ الفرحُ بالثيابِ الجديدة، إلا إذا غُسلت الصدورُ من الأحقادِ العنيدة، ليكونَ العيدُ في جوهرهِ امتداداً لرحلةِ الحجِّ الكبرى، صلاةً بالروحِ وشكراً بالمسرى، ووصلاً للأرحامِ التي جفَّت، وجبراً للقلوبِ التي ضعُفت، في منظومةٍ إيمانيةٍ تجعلُ الفرحَ عبادة، والسكينةَ في طاعةِ الخالقِ ريادة، ليظلَّ المسلمُ بينَ حجٍّ يُقيمُ أركانه، وعيدٍ يُعمرُ بالإحسانِ أوطانه، ويتوجُ هذا المشهدَ بنبضِ القوافي قائلاً:
 
طافوا ببيـتِ اللهِ شوقـاً بَـرّا 
ورجوا مِـنَ الـربِّ الرحيـمِ مَبَـرّا
لَبّوا علـى جَبَلِ العطـاءِ وضَجَّـتِ 
أصـواتُهـمْ للهِ جَهْــــراً وسِـــــرّا
شُعثٌ وما شقيـتْ خُـطاهـم سـاعـةً 
بل أبصـروا فـي النُّـورِ وجـهاً نَـضْـرا
مـا مـكـةٌ إلا مَــــلَاذُ مَــــــوَدّةٍ
غسـلتْ مِـنَ الأوزارِ صـدراً وعُـمْـرا
حـتى إذا انـبلـجَ الـصـبـاحُ بـعـيـدِنـا
أضحـى جَـنـانُ الـمسـلـمـيـنَ مَـقَـرّا
نـحـروا الهـدايـا والـقـلـوبُ نَـقِـيـةٌ
مَـحَـوا الـضـغـيـنـةَ واسـتـلـذوا البِـرّا
عـيدٌ يـزفُّ إلـى الـبـريـةِ فـرحـةً
تـسـقـي الـيـتـيـمَ وتـمـسـحُ الـمُـضْـطَـرّا
يا ربُّ فـاجـعـلْ عـيـدَنـا نـصـراً لـنـا
وامـلأ بـفـيـضِ الـجـودِ مـنـا الـفَـقْـرا