الكاتب : النهار
التاريخ: ٢١ مايو-٢٠٢٦       3795

بقلم- ياسين سالم

لا شك أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت قوة مؤثرة لا يُستهان بها ، تُستخدم في توجيه الرأي العام ، وتغيير التصورات السائدة ، وصناعة انطباعات جديدة ، إنها إحدى أبرز أدوات القوة الناعمة التي يوظفها الغزو الفكري ضد الشعوب ، من خلال تغذية المتلقي بأفكار مُعدة مسبقًا ، تهدف إلى إثارة الفتن وإشعال النزاعات ، وغالباً ما يتخلل هذا الخطاب السخرية ، والتهميش ، والإسقاط السلبي على كل إيجابية ، مع الاعتماد على التأويلات المغرضة التي تتضخم سرديًا عبر مريدي الإشاعات والقصص الملفقة ،
قبل أي مواجهة ميدانية ، يسبقها دائمًا تمهيد طويل للاختراق الداخلي ، وصناعة عملاء واتباع من داخل البلد المستهدف ، ولو رجعنا قليلاً إلى الوراء ، نجد مثالًا واضحًا في ما سبق إحتلال العراق بسنوات قليلة ، فقد كان هناك عمل مكثف لإضعاف الجبهة الوطنية الداخلية عبر الصحافة الصفراء والإعلام المرئي والمسموع ، وإنشاء إذاعات متخصصة في نشر النكات الساخرة والتمثيليات الصوتية والأخبار المفبركة ضد الحكومة آنذاك ، كما تم دعم "المعارضة" ماديًا ومعنويًا ، وتوظيفها في منصات إعلامية موجهة مثل إذاعة "الوفاق" وجريدة "الزمان" وغيرها لاتحضرني الآن ، التي كانت تبث من إيران وبريطانيا ودول أوروبية أخرى ، أدى ذلك إلى تغذية النزعات العنصرية والطائفية ، حتى أصبح المجتمع جاهزًا لاستقبال أي فكرة تستهدف بلده ، والنتيجة حرب ثم إحتلال ، تمخّض عنها بلدًا لا يزال بعد أكثر من عشرين عامًا يتخبط في البحث عن مشروع الإستقرار الحقي ولم يجده الى الآن ، 
كذلك ، سبق شرارة "الربيع العربي" عمل منظم ومدروس ، بدأ من أواخر التسعينيات ، واستفاد من تنوع البث الفضائي ثم المواقع الإلكترونية ، وصولًا إلى فيسبوك وتويتر الذي قدم الخدمة الأكبر في هذا السياق ، تم إستقطاب أقلام وأصوات مؤثرة لترويج فكرة "التغيير" ، مدعومة بخطاب ثوري وإسلاموي مدروس الإيقاع ، كانت "الديمقراطية" مجرد حجة ، أما الهدف الحقي فكان الإضعاف والتمزيق والتفتيت المذهبي والعنصري لجسد الأمّة العربية ، وإغراق الشعوب في فوضى لا تنتهي ، والأمثلة ما زالت ماثلة أمامنا ،
تعتمد الجهات التي تسعى لإشعال الفتن وتقسيم البلدان ، خاصة في العالم العربي ، على استراتيجية واضحة ، أولاً ، إبراز "ذيولها" في الإعلام ومنحهم المنصات للتصدر ، ثانيًا ، العمل على خلق فجوة بين الشعب وأهل القرار ، ثالثًا ، التفكيك الاجتماعي عبر إستغلال كل خط فاصل "عنصري ، قومي ، طائفي ، مذهبي ، فكري ، حزبي ، قبلي" ، لكن أكبر عقبة تواجههم دائمًا هي الوعي المجتمعي الذي يشكل حائط صد منيعًا ، لذا يبدأون بالهجوم الشرس على كل من يمثل هذا الوعي ، خاصة المغردين الوطنيين ،
يُمارس الطعن والتخوين والتشويه والتشهير يومياً بصورة ممنهجة ضد كل من يتصدى للتدخلات الخارجية ، او يحذر من الاختراق الفكري ، ويسعى لحماية اللحمة الوطنية ، تتنوع أساليب الإساءة حسب الزمان والمكان والبيئة ، لكنها دائمًا تحمل طابعًا خبيثًا يجمع بين التهم الجاهزة والافتراء المتعمد ، إنهم يستهدفون بالذات من يقف بشرف ضد العبث ، ويرفض الفتن المزروعة ، ويحافظ على مبادئه وفطرته السليمة ،
غير أن المغرد الوطني يبقى حجرًا أصمًا يصعب تفتيته ، بل يستحيل ذلك طالما بقيت اليدين معًا ، كما قال سمو ولي العهد حفظه الله ، "لن تنهد همة الرجال إلا إذا تساوى هذا الجبل في الأرض" ،
إن أسمى ما يُرى في المغردين السعوديين هو هذا الاصطفاف التلقائي أمام أي تهديد خارجي ، قد نختلف في الآراء البسيطة ، وقد تنشأ خلافات شخصية ، فالنفس بشرية والزلل وارد ، لكن ما إن يشعر أحدنا بتجاوز على اللحمة الوطنية حتى نجد أنفسنا صفًا واحدًا ، والحوادث المتكررة خير شاهد على هذا الوعي الناضج والانتماء الصادق .