النهار

٠٥ مايو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٥ مايو-٢٠٢٦       3410

بقلم: عبدالله الكناني

لم تعد رحلة الحج كما كانت في الذاكرة القديمة مجرّد انتقالٍ جغرافيٍّ من بلدٍ إلى آخر، بل تحوّلت في المملكة العربية السعودية إلى منظومةٍ متكاملة تُدار بفكرٍ مؤسسيٍّ واعٍ، يبدأ من لحظة مغادرة الحاج لبلده، ولا ينتهي إلا بعد أن يعود وقد أُحيط بخدماتٍ تُجسّد معنى “الضيافة” بأرقى صورها.

هذه الرحلة الاستثنائية تقف خلفها قيادةٌ جعلت خدمة ضيوف الرحمن شرفًا ومسؤولية؛ بتوجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وبمتابعة مباشرة من سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز (يحفظهما الله)، وبتنفيذٍ ميدانيٍّ متكامل تقوده إمارات المناطق، وفي مقدمتها لجنة الحج العليا واللجنة المركزية، وإمارتي منطقة مكة المكرمة ومنطقة المدينة المنورة، إلى جانب منظومة وزارية وأمنية وخدمية تعمل بتناغمٍ نادر.

*منظومة تبدأ من خارج الحدود*

أحد أبرز التحولات النوعية تمثّل في مبادرة “طريق مكة”، التي لم تكتفِ بتسهيل الإجراءات، بل نقلت تجربة الحج إلى بلد الحاج نفسه؛ حيث تُستكمل إجراءات الجوازات والتأشيرات، وتُفرز الأمتعة، وتُنسّق الرحلات قبل الوصول إلى المملكة.

وقد شملت المبادرة عدة دول، واستفاد منها مئات الآلاف من الحجاج سنويًا، مما أسهم في:

* تقليل زمن الانتظار في المنافذ
* رفع كفاءة التشغيل في المطارات السعودية
* تحسين تجربة الحاج منذ اللحظة الأولى

*أرقام تعكس حجم الجهد*

تستقبل المملكة سنويًا ملايين الحجاج، وفي موسم واحد:

* تُشغّل آلاف الرحلات عبر قطار الحرمين السريع
* تُوفَّر ملايين المقاعد للنقل بين مكة والمدينة
* يعمل عشرات الآلاف من رجال الأمن والصحة والخدمات
* تُدار آلاف الحافلات ضمن منظومة نقل ذكية

كما تُسخّر تقنيات حديثة مثل:

* الذكاء الاصطناعي لإدارة الحشود
* التطبيقات الذكية لإرشاد الحجاج
* أنظمة التبريد في المشاعر المقدسة

*تكامل ميداني بلا ضجيج*

ما يلفت في تجربة الحج السعودية ليس حجم الجهد فقط، بل دقة التنسيق؛ إذ تعمل الجهات كافة ضمن منظومة واحدة:

* أمنية
* صحية
* خدمية
* تنظيمية

وكل ذلك تحت إشراف لجان عليا ومركزية، تتابع التفاصيل لحظة بلحظة، وتستبق التحديات قبل وقوعها.


*من خدمة إلى رسالة حضارية*

لم تعد خدمات الحج مجرد أداء واجب، بل أصبحت نموذجًا عالميًا في إدارة الحشود والخدمات اللوجستية، حيث تنظر المملكة إلى الحاج بوصفه:

* ضيفًا يجب تكريمه
* إنسانًا ينبغي تسهيل رحلته
* رسالة حضارية تُنقل للعالم

وقد امتد هذا المفهوم إلى خارج الحدود عبر المبادرات الدولية، بما يعزز مكانة المملكة في خدمة الإسلام والمسلمين.

*حياكم الله*

ليست عبارةً عابرة، بل روحٌ حيّة تتردد على لسان كل سعودي، وتنبض بها كل جهةٍ تعمل في خدمة ضيوف الرحمن؛ كلمة تختصر فلسفة الضيافة، وتعكس صدق الترحيب، وتترجم معنى العناية التي تحيط بالحاج منذ قدومه حتى مغادرته.

في “*حياكم الله*” تتجلّى هوية وطن، وتُختصر رحلة خدمة، وتُروى قصة عطاءٍ لا ينقطع… حيث تتحول الجهود إلى أثر، والخدمة إلى قيمة، والضيافة إلى رسالة خالدة.