الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٢ مايو-٢٠٢٦       2915

بقلم- علي بن  عالي  السعدوني

حين نتأمل المشهد الرقمي في المملكة العربية السعودية اليوم، فإننا لا نقف أمام مؤشرات صامتة تُدرج في تقارير اقتصادية عابرة، ولا أمام أرقام تُستحضر لمجرد التفاخر الإعلامي أو لإكمال مشهد الاحتفاء الموسمي بالمنجزات، وإنما نحن أمام تحوّل عميق يعكس فلسفة دولة قررت أن تجعل من المستقبل مشروعًا عمليًا لا شعارًا مؤقتًا، حيث إن حصول المملكة العربية السعودية على المركز الثاني عالميًا بعد الولايات المتحدة الأمريكية في جاذبية مراكز البيانات لا يُقرأ بوصفه خبرًا اقتصاديًا عابرًا يمكن أن يمر في زحام الأخبار ثم يُنسى، بل بوصفه دلالة استراتيجية تكشف عن انتقال المملكة من موقع المتلقي للتقنية إلى موقع الشريك في صناعتها، ومن هامش التأثر بالتحولات الرقمية إلى مركز الفعل والتأثير وصناعة المسار القادم للاقتصاد العالمي.
جميل أن نرى هذا التقدم يأتي في زمن أصبحت فيه البيانات هي الثروة الأكثر حساسية وتأثيرًا، وأصبحت فيه مراكز البيانات ليست مجرد منشآت تقنية تحفظ المعلومات وتدير الخوادم، بل أصبحت جزءًا من مفهوم السيادة الوطنية؛ لأن الدولة التي تمتلك القدرة على إدارة بياناتها، واستضافة الاستثمارات الرقمية الكبرى، وتأمين بنيتها التقنية، إنما تمتلك مفاتيح مرحلة جديدة من القوة والنفوذ الاقتصادي، لاسيما أن العالم اليوم لم يعد يقيس النفوذ فقط بحجم الموارد التقليدية أو الامتداد الجغرافي، وإنما بمدى القدرة على الحضور داخل الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وسرعة اتخاذ القرار في بيئة تتغير كل لحظة.
لا خلاف في  ذلك فالأرقام حين تتحدث تكشف ما قد تعجز عنه الخطابات الطويلة، حيث إن المملكة جاءت ضمن أفضل الأسواق العالمية في جاذبية مراكز البيانات، مدفوعة بعوامل جوهرية لا يمكن صناعتها في وقت قصير، من أبرزها توافر الطاقة وتمكين الأراضي بنسبة بلغت 58% من عناصر الجاذبية السوقية، وهي نسبة تحمل في داخلها معنى أعمق من مجرد التهيئة الاستثمارية؛ لأنها تعكس جاهزية الدولة في إزالة العوائق التقليدية التي كانت تؤخر المشاريع الكبرى، وتؤكد أن البيئة التنظيمية لم تعد عبئًا على المستثمر، بل أصبحت شريكًا في تسريع الإنجاز، بينما تسعى كثير من الأسواق إلى جذب المستثمر عبر الوعود، تقدم المملكة نموذجًا مختلفًا يقوم على الجاهزية الفعلية والقدرة التنفيذية.
وفي سياق هذا  فإن إضافة 22.8 جيجاوات من السعات الجديدة الجارية عالميًا والمتوقع دخولها الخدمة خلال السنوات الثلاث المقبلة ليست رقمًا يُذكر على الهامش، بل مؤشر على أن المملكة تدخل مرحلة جديدة من التوسع النوعي الذي لا يقوم على الكم وحده، وإنما على بناء منظومة رقمية متكاملة قادرة على استيعاب التحولات القادمة، حيث إن مراكز البيانات لم تعد ترتبط فقط بخدمات الإنترنت أو حفظ الملفات، بل أصبحت البنية الأساسية التي تقوم عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والقطاعات المالية، والصناعات الذكية، والخدمات الحكومية، والتعليم، والصحة، وكلها مجالات لا يمكن الحديث عن مستقبلها دون الحديث عن بنية رقمية قوية تستند إليها.
وفي هذا الموضع تحديدًا، يظهر أثر رؤية المملكة 2030 بوصفها مشروعًا يعيد تعريف الأولويات الوطنية؛ لأن الاستثمار في البنية الرقمية لم يكن قرارًا منفصلًا عن بقية المسارات التنموية، بل جاء ضمن فهم شامل يرى أن الاقتصاد الحديث لا يقوم فقط على النفط والصناعة التقليدية، وإنما على المعرفة، والاتصال، والبيانات، وقدرة الدولة على أن تكون منصة جذب لا مجرد سوق استهلاكية، لذا فإن ارتفاع سعة مراكز البيانات في المملكة من 68 ميجاوات عام 2021 إلى 440 ميجاوات في عام 2025، ثم إلى 467 ميجاوات خلال الربع الأول من عام 2026، لا يمكن التعامل معه بوصفه توسعًا فنيًا فحسب، بل بوصفه إعلانًا واضحًا عن اقتصاد يعرف وجهته، ويدرك أن المنافسة القادمة تُحسم في البنية التحتية الرقمية بقدر ما تُحسم في المصانع والموانئ والمشاريع الكبرى.
بينما كانت بعض الدول تنظر إلى التحول الرقمي باعتباره ملفًا تقنيًا محدود الأثر، كانت المملكة تبني هذا التحول باعتباره مشروع دولة كامل، حيث إن وجود أكثر من 60 مركز بيانات موزعة على مناطق متعددة داخل المملكة يعكس فهمًا استراتيجيًا بأن التنمية لا ينبغي أن تُحتكر في المدن الكبرى وحدها، بل يجب أن تمتد إلى عمق الجغرافيا الوطنية؛ لأن التقنية حين تصل إلى كل منطقة فإنها لا تنقل الخدمات فقط، بل تنقل الفرص، وتعيد تشكيل الاقتصاد المحلي، وتفتح مسارات جديدة للشباب، وتعزز من قدرة القطاعات المختلفة على العمل بكفاءة أعلى، وهو ما يجعل الاستثمار الرقمي استثمارًا اجتماعيًا وتنمويًا قبل أن يكون استثمارًا اقتصاديًا صرفًا.
جميل أيضًا أن هذا التقدم يأتي مدعومًا ببنية تحتية رقمية متقدمة حيث إن نسبة انتشار الإنترنت التي بلغت 99%، وشبكات الألياف الضوئية التي تصل إلى 5.8 مليون منزل، وسوق تقنية معلومات تجاوزت قيمته 199 مليار ريال، ليست مجرد تفاصيل تكميلية في تقرير اقتصادي، بل هي الشواهد الحقيقية على أن المملكة لم تبنِ هذا النجاح على قرار مفاجئ، وإنما على عمل تراكمي طويل، وعلى رؤية واضحة تدرك أن المستثمر العالمي لا يبحث عن الشعارات، بل عن البنية القادرة على الاستمرار، وعن السوق التي تجمع بين الاستقرار،  والجاهزية الفنية، والقدرة على النمو دون تعثر.
وفي ثنايا هذا المشهد، يبرز عامل الثقة بوصفه أحد أهم عناصر الجاذبية؛ لأن المستثمر العالمي في قطاع حساس مثل مراكز البيانات لا ينظر فقط إلى حجم السوق، بل إلى استقرار الدولة، وكفاءة مؤسساتها، ووضوح أنظمتها، وقدرتها على حماية الاستثمارات طويلة الأجل، وهذه عناصر أصبحت المملكة تقدمها بثقة عالية، لاسيما في ظل ما تحقق من إصلاحات تنظيمية، وتطور في الحوكمة، وتسارع في الأداء التنفيذي، وهو ما جعل المملكة تتحول من سوق واعدة إلى مركز عالمي يُعتمد عليه في الاستثمارات الرقمية الكبرى.
لذا فإن المملكة العربية السعودية حين تُصنف اليوم ثانيًا عالميًا في جاذبية مراكز البيانات، فإنها لا تبحث عن رقم جديد يُضاف إلى سجل الإنجازات فحسب، بل تؤسس لمرحلة يصبح فيها الاقتصاد الرقمي أحد أعمدة القوة الوطنية، وتصبح فيها البيانات جزءًا من مفهوم السيادة، وتتحول فيها المملكة إلى مركز لا يمر العالم الرقمي من حوله، بل يمر من خلاله، وهذه هي النقلة الحقيقية التي تستحق التأمل؛ لأن المستقبل لا يُنتظر حتى يأتي، وإنما يُصنع بإرادة واضحة، ورؤية بعيدة، وعمل لا يكتفي بالمنافسة، بل يسعى إلى صناعة الصدارة.