الكاتب : النهار
التاريخ: ١٢ ابريل-٢٠٢٦       10285

بقلم - موضي عوده العمراني 

ليست كلّ الرحلات تُقاس بالمسافات، ولا تُختصر في عدد الأيام؛ فبعضها يمتد عميقًا في الوجدان، ويترك أثرًا لا يُمحى، وكأنّه خُلق ليبقى.

هكذا كانت رحلتنا إلى العُلا؛ حيث لا يقف الإنسان أمام الجمال فحسب، بل أمام التاريخ وهو يتنفس، وأمام الحضارة وهي تُحدّثك بصمتها المهيب.

في العُلا، لا تبدو الجبال مجرد تكوينات صخرية، بل شواهد زمنٍ عريق، تروي حكايات أممٍ مرّت من هنا، وخلّدت حضورها على وجه الأرض.

كأنها تهمس: “هنا كنا… وهنا سطّرنا البدايات”. كل زاوية تختزن سرًا، وكل أثرٍ يفتح بابًا نحو روايةٍ لم تُغلق صفحاتها بعد.

وفي قلب هذه التجربة، يقف الامتنان شامخًا تجاه قائدٍ ملهم، الأستاذ عبدالرزاق بن نوح، الذي لم يكن مجرد منظمٍ لرحلة، بل صانع تجربة، ومهندس ذاكرة.

مبادرته لم تجمعنا في مكان، بل جمعتنا حول معنى، وأعادت صياغة علاقتنا بالتاريخ، فغدونا لا نمرّ عليه مرور العابر، بل نقف عنده وقفة المتأمل الباحث عن الجذور.

وإذا كان المكان يُدهش، فإن الكلمة التي تشرحه تُحييه.

وهنا يتجلّى دور المرشد السياحي الأستاذ عبدالله زعير، الذي لم يقدّم معلوماتٍ جامدة، بل بثّ روحًا في كل حكاية، وأخذنا في رحلة عبر الأزمنة، من حضارة إلى أخرى، حتى أصبحت الرحلة درسًا حيًّا نابضًا، لا يُنسى ولا يُختزل.

ولأن الرحلات العظيمة لا تكتمل إلا بقلوبٍ عظيمة، كان للضيافة أثرٌ لا يقل جمالًا عن المكان.
إليكِ يا أم محمد، كلمة وفاءٍ وعرفان… شكرًا لكرمكِ الذي فاق الوصف، ولطيب قلبكِ الذي احتوانا بمحبةٍ صادقة، ولروحكِ الجميلة التي جعلت من حضورنا بينكم لحظةً دافئة لا تُنسى.

لقد أضفتِ إلى الرحلة بُعدًا إنسانيًا عميقًا، سيبقى حاضرًا في الذاكرة بقدر حضور المكان.

ستبقى ذكراكِ عطرة في قلوبنا، وسيظل ما قدمتِه لنا وسام تقدير نحمله بكل امتنان.

جزاكِ الله خيرًا، ودام عطاؤكِ وطيبكِ.

لقد تحوّلت هذه الرحلة من مجرد زيارة إلى تجربة معرفية وإنسانية متكاملة، امتزج فيها الوعي بالدهشة، والتاريخ بالإحساس، فأصبحت  العُلا  أكثر من وجهة؛ صارت حالة تُعاش، وأثرًا يُحمل، وذاكرةً تتجدّد.

إن  العُلا  ليست مكانًا يُزار، بل قصة تُروى، وهوية تُستعاد، وذاكرة تُبعث من جديد.

وفي كل من يخطو على أرضها تولد حكاية… قد تنتهي الرحلة، لكن أثرها لا ينتهي