الكاتب : النهار
التاريخ: ٣١ مايو-٢٠٢٦       3575

بقلم ـ حذامى محجوب 

يبدو  لبنان  وكأنه عالق في حلقة لا تنكسر من العنف، حيث تتداخل الحرب مع السياسة، ويتحول الداخل إلى امتداد مباشر لصراعات الإقليم. ومع كل تصعيد عسكري جديد على الحدود الجنوبية، تتسع دائرة الخسائر البشرية والمادية، ويزداد ثقل السؤال حول الجهة التي تتحمل مسؤولية هذا الانحدار المتواصل.

في قلب هذا المشهد يقف حزب الله بوصفه الفاعل الأكثر تأثيرا في معادلة الحرب والسلم داخل لبنان، من خلال احتفاظه بترسانة عسكرية خارج سلطة الدولة، وتبنّيه خيار المواجهة المفتوحة مع إسرائيل خارج إطار القرار الوطني الجامع. هذا الوضع جعل من الجنوب اللبناني ساحة مواجهة دائمة، لا تخضع لحسابات الدولة بقدر ما تخضع لاعتبارات حزب مسلح يرتبط عضوياً بمحور إقليمي تقوده إيران.

لكن مع كل جولة تصعيد، تتكرر النتيجة ذاتها: دمار في البنى التحتية، نزوح واسع للسكان، خسائر بشرية متزايدة، وتآكل إضافي لقدرة الدولة اللبنانية على فرض سيادتها. وفي الوقت الذي يُقدَّم فيه هذا الحزب نفسه على أنه “مقاومة”، يرى قطاع واسع من اللبنانيين أن الكلفة الفعلية لمسار هذا الحزب لم تعد تُحتمل، وأنه انتقل من كونه أداة ردع إلى عامل استنزاف دائم للدولة والمجتمع.

ولا يمكن تجاهل أن استمرار الحزب في فرض معادلة السلاح خارج المؤسسات الدستورية يضع  لبنان  في موقع هشّ أمام إسرائيل، ويجعل أي تصعيد قابلاً للتحول إلى حرب شاملة، يدفع ثمنها المدنيون قبل أي طرف آخر. فغياب القرار المركزي الواحد حول الحرب والسلم يحوّل البلاد إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

في المقابل، تتحمل إسرائيل بدورها مسؤولية كبيرة عن حجم الدمار والخسائر الإنسانية الناتجة عن عملياتها العسكرية، بما في ذلك الاستهداف الواسع للمناطق السكنية وما يرافقه من تهجير قسري. غير أن هذا الواقع لا يلغي حقيقة أن وجود قوة عسكرية غير خاضعة للدولة داخل  لبنان  يسهّل استمرار دائرة العنف ويُبقي البلاد في حالة حرب دائمة أو شبه دائمة.

الأزمة اللبنانية إذن ليست نتيجة طرف واحد فقط، لكنها أيضاً ليست متوازنة في المسؤوليات. فهناك طرف يمتلك قرار الحرب والسلم فعلياً خارج الدولة، ويصر على الاحتفاظ به رغم التحولات الخطيرة في ميزان الكلفة الوطنية.هذا ما يجعل أي نقاش حول مستقبل  لبنان  مرتبطاً بإعادة تعريف مفهوم السيادة، وحدود العمل العسكري، ومن يملك حق اتخاذ القرار باسم الدولة.

بين ضغط الخارج وتعقيدات الداخل، يبقى  لبنان  في حالة إنهاك مستمر، تتآكل فيها الدولة تدريجيا، فيما تتوسع رقعة الخسارة أكثر مما تتوسع أي مكاسب سياسية أو عسكرية مزعومة.