الكاتب : النهار
التاريخ: ٣١ مايو-٢٠٢٦       3190

بقلم - عبدالمحسن محمد الحارثي

ليست كلُّ الخسائر تُقاسُ بالصندوق، ولا كلُّ الأرباح تُرى في نهاية اليوم.
فبعضُ التجّار يظنّ أنّ الذكاء التسويقي هو القدرة على تمرير البضاعة كيفما اتّفق، ولو على حساب الثقة، بينما الحقيقة أنّ التجارة لا تقوم على حركة البيع وحدها، بل على “السمعة” التي تسبق السلعة، وتبقى بعدها.

ومن أكثر المشاهد التي بدأت تتكرر في بعض المتاجر الكبرى؛ أن يُقدَّم منتجٌ ما بخصمٍ كبيرٍ يصل إلى 50%، خصوصًا في الأجبان، والحلويات، والمخبوزات، والمنتجات سريعة التلف، ثم يكتشف المستهلك أنّ الجودة في يوم التخفيض ليست هي الجودة المعتادة!
فالطعم مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى القوام مختلف.
ثم ما إن تنتهي أيام الخصم، حتى يعود المنتج ذاته — شكلًا واسمًا — إلى جودته العالية وسعره الكامل، وكأنّ شيئًا لم يكن!

وهنا لا يعود الأمر “تسويقًا”، بل يصبح عبثًا بالثقة، ومحاولةً للالتفاف على وعي المستهلك تحت غطاء التخفيضات.

إنّ بعض ملاك المتاجر يظنّ أنّ العميل لا يلاحظ، أو أنّه ينسى بسرعة، بينما المستهلك اليوم أكثر وعيًا من أي وقت مضى.
قد يصمت، لكنه لا ينسى.
وقد يشتري مرة، لكنه لا يمنح ثقته بسهولة مرةً أخرى.
ولذلك قال الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه:
"أنا لا أنزعج لأنك كذبت عليّ، بل لأنني لن أستطيع تصديقك بعد الآن".

وهذه هي الكارثة الحقيقية؛ فالتاجر لا يخسر قطعة حلوى أو كيلو جبن، بل يخسر “رصيده المعنوي” في قلوب الناس، وهو أثمن من الأرباح السريعة كلّها.

لكن السؤال الأهم:
أين دور الرقابة من مثل هذه الممارسات التي يمكن وصفها بـ”الساذجة”؛ لأنها تراهن على غفلة المستهلك، بينما تفضحها التجربة اليومية والطعم والرائحة والانطباع؟

فالخلل لا يكمن فقط في تاجرٍ يمرّر جودةً منخفضة تحت لافتة “خصم 50%”، وإنما في الفراغ الرقابي الذي يسمح بتحويل التخفيضات إلى ستارٍ لتصريف الرديء دون شفافيةٍ كافية.

إنّ بعض الجهات الرقابية — مع تقدير جهودها — قد تنشغل أحيانًا بالظاهر النظامي أكثر من جوهر الممارسة.
فتجد المنتج يحمل تاريخًا صالحًا، والسعر واضحًا، والملصق موجودًا، لكن الحقيقة الخفية هي تغيّر الجودة عمدًا أثناء فترة التخفيض، أو استغلال ثقة المستهلك في الاسم التجاري.

وهنا يصبح السؤال أكثر عمقًا:
هل الرقابة مهمتها فقط التأكد من عدم فساد المنتج؟
أم حماية المستهلك من “التضليل التجاري” أيضًا؟

فالفرق كبير بين منتج منخفض السعر ؛ بسبب سببٍ معلن وواضح ، ومنتج يُقدَّم وكأنه بنفس الجودة المعتادة ، بينما الواقع غير ذلك.

الرقابة الحقيقية لا تكتفي بالنظر إلى “الصلاحية”، بل تنظر إلى “الأمانة”.
لأنّ الغشّ الحديث لم يعد دائمًا غشًا فاضحًا، بل أصبح أحيانًا غشًا ناعمًا، يتسلل عبر التخفيضات والعروض والإخراج التسويقي الذكي.

ومن هنا؛ فإنّ الاحترام المهني يقتضي تخصيص ركنٍ واضح للمنتجات المخفّضة، مع بيان سبب التخفيض بوضوح ، مثلاً : قرب انتهاء الصلاحية ، تصفية دفعة ، مع تغيّر بسيط في الشكل أو الجودة ، أو فائض إنتاج.
حينها يشعر العميل أنّه يُعامل بصدق، لا باستغفال.

وفي كثيرٍ من الدول المتقدمة ؛ تُعدّ الشفافية جزءًا من “هوية المتجر”، لا مجرد إجراء رقابي.
فالعميل هناك قد يتقبل المنتج الأقل جودة، لكنه لا يتقبل الكذب عليه؛ لأنّ العلاقة بين التاجر والمستهلك ليست معركة ذكاء، بل عقد ثقة طويل الأمد.
وقد قال الأديب الإنجليزي صمويل جونسون:
"الصدق أول فصلٍ في كتاب الحكمة".
وقال الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو:
"الفساد يبدأ حين تصبح الرقابة شكلًا لا روحًا".

بل إنّ الإسلام نفسه لم يجعل الغش خطأً تجاريًا فحسب، بل انحرافًا أخلاقيًا يهدم البركة قبل السمعة.
قال ﷺ:
«مَن غشَّنا فليس منّا».
وما أبلغ هذا التعبير!
فهو لا يتحدث عن مخالفة نظامية فقط، بل عن سقوطٍ في القيم، وانفصالٍ عن أخلاق المجتمع.

والعجيب أنّ بعض التجّار يظنّ أنّه حين يمرّر الرديء وقت التخفيض؛ فقد “كسب”، بينما الحقيقة أنّه خسر بطريقة مؤجلة.
فالعميل الذي يشعر بالخداع يبدأ تدريجيًا في فقدان انتمائه للمكان، ثم ينتقل إلى متجر آخر، ثم يتحول — دون قصد — إلى ناقل تجربة سلبية بين الناس.
والسمعة السيئة تنتشر أسرع من أي إعلان ممول.

ولذلك يقول المستثمر الأمريكي وارن بافيت:
"يُبنى الاسم الطيب في عشرين سنة، ويُهدم في خمس دقائق".

إنّ السوق الحديث لم يعد قائمًا على “بيع المنتج” فقط، بل على بناء علاقة مستمرة مع العميل.
والعميل لا يريد الكمال، بقدر ما يريد الاحترام والوضوح.
قد يتقبل ارتفاع السعر، وقد يتفهم وجود تخفيضات على منتجات معينة، لكنه لا يتقبل أن يُعامل وكأنه لا يميّز بين الجيد والرديء.

ومن هنا؛ فإنّ الحاجة اليوم ليست فقط إلى تكثيف الجولات الرقابية، بل إلى تطوير مفهوم الرقابة نفسه؛ ليشمل:
مراقبة جودة المنتج أثناء التخفيضات ، منع التضليل في العروض الموسمية ، إلزام المتاجر ببيان أسباب التخفيض بوضوح ، استقبال بلاغات المستهلكين المتعلقة بتغيّر الجودة لا الصلاحية فقط ، وفرض عقوبات تُلامس السمعة التجارية، لا مجرد غرامات مالية تُعدّ أحيانًا جزءًا من تكلفة التجاوز ؛ لأنّ السوق لا يفسده الغش الكبير وحده، بل تفسده أيضًا الحيل الصغيرة التي تتكرر حتى تصبح ثقافة.

وحين تتحول الثقة إلى ضحيةٍ للعروض الوهمية ؛ يخسر المجتمع شيئًا أكبر من المال: يخسر الاطمئنان.
ويبقى التاجر الحقيقي هو من يفهم أنّ البركة ليست في سرعة التصريف، بل في دوام المصداقية.
فالبيع قد يصنعه الإعلان، أمّا الاستمرار فلا يصنعه إلا الصدق.