الكاتب : النهار
التاريخ: ١٧ يوليو-٢٠٢٦       2200

بقلم ـ عماد الصاعدي

تكثر مع بداية الإجازة الصيفية مناسبات الأفراح ، وهي ظاهرة مجتمعية تجسد قيم الكرم والتآلف ، تأسياً بسنة الرسول الكريم ، ومصداقًا لقوله :«أَولِم ولو بشاة».

وهذه المناسبات في ظاهرها الفرح والسرور إلا أنها منذ سنوات خرجت عن المألوف في حجم الإنفاق والتكاليف الباهظة ، وما يصاحبها من التزامات مادية تثقل كاهل شابٍ يُصارع متطلبات الحياة براتبٍ يكاد يكفي احتياجاته الأساسية ، والأدهى من ذلك تحميله ما لا يطيق من الشروط والمتطلبات التي قد تؤخر زواجه أو ترهقه بالديون منذ بداية حياته الأسرية.

وفي التفصيل ، تشير بيانات إحصائية من الهيئة العامة للإحصاء إلى أن متوسط الإنفاق على حفلات الأفراح في المملكة بلغ نحو (12.5) ألف ريال للحفل ، فيما تتجاوز التكلفة الإجمالية للزواج لدى كثير من الأسر أضعاف هذا الرقم عند احتساب المهر ، وتأثيث المسكن ، والذهب ، وغيرها من الالتزامات ، وهو ما يفرض على كثير من الشباب أعباءً ماليةً قد تمتد لسنوات.

 

وبنظرة واقعية إلى حال شباب اليوم ، نجد أن كثيراً منهم يؤيدون التيسير في تكاليف الزواج ، والاكتفاء بإقامة مناسبة بسيطة يتحقق بها إعلان الزواج ، ولهذا يتفق الجميع أن نجاح المناسبة لا يُقاس بحجم الإنفاق ، بل بحسن التنظيم ، وفرحة الأهل والأقارب ، ورضا الحضور ، والبركة التي تحل عندما تُقام المناسبة دون الإسراف والتبذير والتفاخر.

 

وحدثني أحد أقارب شابٍ بأنه اقترح على ابن أخته إقامة حفل عائلي بسيط في مزرعة والده ، على أن يستثمر المبلغ المتبقي في مشروع صغير لبيع التمور ، وفر من خلاله دخلًا شهريًا ساعده على تحمل تكاليف معيشته وسداد إيجار شقته ، في نموذج يؤكد أن حسن التخطيط قد يكون بداية لاستقرار أسرة سعيدة .

 

إن ما يحتاجه شبابنا اليوم ليس الادخار فحسب ، بل تَعلّم فن إدارة الظروف والتعامل مع متطلبات الحياة بحكمة ، ويبقى تعاون أهل الزوجة وتيسيرهم مَطلبًا مهمًا ، «فأعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة» ، كما أن تماسك المجتمع يبدأ من التفاهم ، والقبول ، وكسر كثير من القيود الاجتماعية.

 

ولعلَّ تجربة جائحة كورونا كانت مثالًا واضحًا على إمكانية إقامة مناسبات زواج بسيطة وناجحة؛ إذ انتشرت الدعوات الإلكترونية ، واقتصرت الاحتفالات على نطاق الأسرة والمقربين ، وأثبتت التجربة أن الفرح الحقيقي لا يرتبط بكثرة المدعوين ، بل بالمحبة والرضا ، وأن المرونة في تنظيم المناسبات لا تُنقص من قيمتها ، بل قد تزيدها بركة.

 

أخيراً ، فإن ثقافة الوعي لا تُقاس بالمظاهر ولا بالتقليد ، بل بحسن التقدير والمسؤولية ، إذ ماعَلِمنا أن معدلات استمرار بعض حالات الزواج لم تَعُد كما كانت في الماضي ، والتي تُحَتِم على مراكز الدعم الأسري تعزيز التأهيل الإرشادي للمقبلين على الزواج قبل الدعم المادي ، والتوعية بأهمية هذا الميثاق الغليظ تحقيقًا لترابط أسري ومجتمع آمن .