بقلم- علي المالكي
في لحظة بدت عابرة في ظاهرها لكنها عميقة في دلالاتها شكّلت عملية إنقاذ طيار أمريكي من جبال أصفهان نقطة مفصلية في قراءة المشهد العسكري الإيراني.
لم تكن مجرد عملية تكتيكية محدودة بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة منظومة طالما قُدّمت كقوة إقليمية صلبة فإذا بها تتعرض لاختراق نوعي في قلب الجغرافيا التي يفترض أنها الأكثر تحصينًا.
العملية بما صاحبها من تمويه محكم وضربات دقيقة حول موقع الطيار عكست مستوى عاليًا من التخطيط والمعرفة المسبقة بمسارات التحرك ونقاط الضعف.
والأهم من ذلك أنها كشفت فجوة واضحة بين ما يُعلن عن الجاهزية والسيطرة وبين ما يحدث فعليًا على الأرض.
حين عجز الحرس الثوري و الباسيج عن الوصول أولًا إلى موقع الحدث داخل أراضيها بدا المشهد كاشفًا : ارتباك في الاستجابة تشتت في الانتشار وتأخر في اتخاذ القرار.
وهي مؤشرات لا تُقرأ كحادثة منفصلة بل كجزء من نمط يتكرر كلما وضع هذا الكيان أمام اختبار حقيقي يتطلب سرعة تنسيق ودقة تنفيذ.
ما يسمى بالحرس الثوري الذي يُروّج له كعمود القوة ظهر في هذه الواقعة أقرب إلى تشكيل غير متجانس يعتمد على الانتشار أكثر من اعتماده على التنظيم وعلى الولاء أكثر من اعتماده على الاحتراف العسكري.
وهو نموذج قد ينجح في فرض السيطرة الداخلية لكنه يواجه صعوبات واضحة وحقيقية عندما يتعلق الأمر بعمليات معقدة تتطلب تكاملًا بين مختلف الأذرع العسكرية.
وعند النظر بعمق إلى طبيعة القدرات التي يملكها يتضح أن أبرز ما يقدمه هذا الجهاز يتمحور حول الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وهي أدوات فعّالة ضمن نطاق محدد لكنها لا تشكّل منظومة حرب متكاملة.
فالقوة العسكرية الحديثة لا تُختزل في وسيلة واحدة بل تقوم على شبكة مترابطة من القدرات : (قيادة وسيطرة) (تفوق جوي) (مناورة برية) (دعم لوجستي) واستخبارات ميدانية دقيقة.
الاعتماد شبه الكامل على الصواريخ والمسيّرات يكشف في جوهره ضيق الخيارات لا اتساعها.
وهو يعكس نمطًا دفاعيًا يميل إلى الضرب عن بعد وتجنب المواجهة المباشرة أكثر مما يعكس جاهزية لخوض حرب تقليدية مفتوحة مع جيوش نظامية محترفة.
ولعل الأوضح من ذلك هو استمرار الاعتماد على تشكيلات مرتبطة خارج الحدود تؤدي أدوارًا نيابة عن المركز.
هذا الأسلوب مهما حاولت الخطابات تبريره يبقى مؤشرًا على أن المواجهة المباشرة ليست الخيار الأول وأن إدارة النفوذ تتم عبر أدوات بديلة (مليشيات) لا عبر قوة نظامية متماسكة.
ما حدث في جبال أصفهان لم يكن مجرد نجاح عملية إنقاذ بل كان لحظة كشف عميقة.
كشف أن الصورة التي بُنيت عبر سنوات من الخطاب لا تعكس بالضرورة واقعًا متينًا على الأرض.
كشف أن التنظيم الذي يُقدّم كقوة إقليمية يعاني من ثغرات عندما يتعلق الأمر بالتنسيق والانتشار والسيطرة في اللحظات الحرجة.
في ميزان القوة لا يكفي امتلاك أدوات هجومية ولا يكفي رفع سقف الخطاب.
ما يُحسم به الحكم هو القدرة على إدارة الميدان والسيطرة على التفاصيل والاستجابة السريعة تحت الضغط.
وهذه عناصر لا تُبنى بالتصريحات بل تُثبت بالفعل.
لهذا فإن القراءة الهادئة لما جرى لا تقود إلى المبالغة بل إلى استنتاج واضح : هناك فجوة بين الصورة المعلنة والقدرة الفعلية.
فجوة تظهر كلما اقترب الاختبار من الداخل وكلما ابتعدنا عن الصراخ واقتربنا من الواقع.
وتبقى الحقيقة ثابتة : القوة التي لا تُختبر في الميدان تبقى ادعاء.
أما حين تُختبر فإما أن تثبت أو تنكشف.
وما جرى هناك كان أقرب إلى لحظة انكشاف وفضيحة لا لحظة استعراض.