الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٤ ابريل-٢٠٢٦       7755

بقلم - حذامي محجوب  

 في لحظات التوتر الكبرى ، غالبا ما  تُختبر الشعوب قبل أن تُختبر الأنظمة و  الدول، ويُقاس وعي المجتمعات بمدى  قدرتها على التماسك لا على الصراخ . 
وفي خضم هذا التصعيد الخطير ، قدّم المواطن الخليجي نموذجا  رائعا  لافتا في السلوك والمسؤولية و المواطنة ، نموذجا لا و لن ينسى ،  نموذجا  لا يُختزل في مجرد  ردّة فعل عابرة ، بل يعكس عمقا في الوعي و حسا قويا بالمسؤولية  ، ونضجا  ثابتا  في الانتماء ، وثقة  راسخة في  دولته و قيادته  ومؤسسات البلاد خاصة جيشه الوطني .
لم تكن هناك موجات غضب منفلتة ، ولا حملات تشكيك ، ولا انقسامات  كما شهدنا في تجارب أخرى . 
كانت وحدة وطنية ،  كان المشهد أقرب إلى لوحة متماسكة  : مواطن يراقب بوعي ، ويتابع بثقة كبيرة  ، ويعبّر بقدر من المسؤولية ، مدركا  أن لحظات الخطر لا تُدار بالعواطف وحدها ، بل بالحكمة و الرصانة  وضبط النفس .
هذا السلوك النادر ، لم يأتِ من فراغ . 
 إنه  ثمرة و  نتيجة تراكم طويل من التربية المدنية التي غرست في المواطن الخليجي  روح  الدولة و معانيها ، وأهمية الاستقرار لبلاده ، وقيمة الالتفاف حول قيادته الوفية  في الأزمات . 
  فالوطن، في هذا الوعي الجمعي ، ليس مجرد جغرافيا ، بل هو كرامة وهوية ومصير مشترك ، يستحق أن يُحمى بالعقل قبل الانفعال ، وبالوحدة قبل الاختلاف .
     لقد فهم المواطن الخليجي أن أخطر ما يمكن أن يواجه الدول في مثل هذه الظروف ليس فقط التهديد الخارجي ، بل أيضا التصدعات الداخلية . 
   لذلك كان اختياره واضحا  : الوقوف صفا واحدا ، وتغليب المصلحة العليا ، وترك إدارة اللحظة لقيادة تمتلك من الخبرة والتقدير ما يؤهلها للتعامل مع  كلّ تعقيدات المشهد .
   كما عكس هذا الموقف مستوى عاليًا من الثقة المتبادلة بين  شعب وقيادته . 
   ثقة لم تُبنَ في يوم واحد ، بل تشكّلت عبر  عقود و  سنوات من الاستقرار والتنمية و الرخاء والشعور بأن الدولة تعمل من أجل مواطنيها ، من اجل مصلحتهم و حقهم في عيش كريم آمن   و أن المواطن بدوره شريك في حماية هذا البلد . 
   وفي مثل هذه اللحظات ، تظهر قيمة هذه الثقة ، فتتحول إلى صمّام أمان حقيقي يحول دون الانزلاق نحو الفوضى ، و يقطع مع المتآمرين و المخربين و الاعداء .
   إنها لحمة فريدة ،  نادرة بالفعل .
  لحمة لا تصنعها الشعارات و الأيديولوجيا و الثورجية المقيتة ، بل تبنيها الدول و السياسات و المواقف  . 
   لحمة تُترجم في الهدوء حين يعلو الضجيج، وفي التماسك حين تتكاثر الضغوط ، وفي الإيمان العميق بأن الأوطان لا تُدار بردود الأفعال ، بل بثبات الرؤية و حكمة القيادة  .
  وهكذا، لم يكن المواطن الخليجي مجرد متفرج على الأحداث ، بل كان عنصر توازن داخل معادلة معقدة ، ساهم بصمته الواعي وثباته المسؤول في حماية الجبهة الداخلية .
    ذلك هو الإنسان العربي المسلم  الخليجي ، حين تتحول المحنة إلى فرصة لإثبات أن الوطنية ليست خطابا يُقال  و يعلن ، بل سلوكًا يُمارس  ، وأن قوة الأوطان تبدأ من وعي شعوبها قبل كل شيء .