بقلم - حذامي محجوب
في لحظات التوتر الكبرى ، غالبا ما تُختبر الشعوب قبل أن تُختبر الأنظمة و الدول، ويُقاس وعي المجتمعات بمدى قدرتها على التماسك لا على الصراخ .
وفي خضم هذا التصعيد الخطير ، قدّم المواطن الخليجي نموذجا رائعا لافتا في السلوك والمسؤولية و المواطنة ، نموذجا لا و لن ينسى ، نموذجا لا يُختزل في مجرد ردّة فعل عابرة ، بل يعكس عمقا في الوعي و حسا قويا بالمسؤولية ، ونضجا ثابتا في الانتماء ، وثقة راسخة في دولته و قيادته ومؤسسات البلاد خاصة جيشه الوطني .
لم تكن هناك موجات غضب منفلتة ، ولا حملات تشكيك ، ولا انقسامات كما شهدنا في تجارب أخرى .
كانت وحدة وطنية ، كان المشهد أقرب إلى لوحة متماسكة : مواطن يراقب بوعي ، ويتابع بثقة كبيرة ، ويعبّر بقدر من المسؤولية ، مدركا أن لحظات الخطر لا تُدار بالعواطف وحدها ، بل بالحكمة و الرصانة وضبط النفس .
هذا السلوك النادر ، لم يأتِ من فراغ .
إنه ثمرة و نتيجة تراكم طويل من التربية المدنية التي غرست في المواطن الخليجي روح الدولة و معانيها ، وأهمية الاستقرار لبلاده ، وقيمة الالتفاف حول قيادته الوفية في الأزمات .
فالوطن، في هذا الوعي الجمعي ، ليس مجرد جغرافيا ، بل هو كرامة وهوية ومصير مشترك ، يستحق أن يُحمى بالعقل قبل الانفعال ، وبالوحدة قبل الاختلاف .
لقد فهم المواطن الخليجي أن أخطر ما يمكن أن يواجه الدول في مثل هذه الظروف ليس فقط التهديد الخارجي ، بل أيضا التصدعات الداخلية .
لذلك كان اختياره واضحا : الوقوف صفا واحدا ، وتغليب المصلحة العليا ، وترك إدارة اللحظة لقيادة تمتلك من الخبرة والتقدير ما يؤهلها للتعامل مع كلّ تعقيدات المشهد .
كما عكس هذا الموقف مستوى عاليًا من الثقة المتبادلة بين شعب وقيادته .
ثقة لم تُبنَ في يوم واحد ، بل تشكّلت عبر عقود و سنوات من الاستقرار والتنمية و الرخاء والشعور بأن الدولة تعمل من أجل مواطنيها ، من اجل مصلحتهم و حقهم في عيش كريم آمن و أن المواطن بدوره شريك في حماية هذا البلد .
وفي مثل هذه اللحظات ، تظهر قيمة هذه الثقة ، فتتحول إلى صمّام أمان حقيقي يحول دون الانزلاق نحو الفوضى ، و يقطع مع المتآمرين و المخربين و الاعداء .
إنها لحمة فريدة ، نادرة بالفعل .
لحمة لا تصنعها الشعارات و الأيديولوجيا و الثورجية المقيتة ، بل تبنيها الدول و السياسات و المواقف .
لحمة تُترجم في الهدوء حين يعلو الضجيج، وفي التماسك حين تتكاثر الضغوط ، وفي الإيمان العميق بأن الأوطان لا تُدار بردود الأفعال ، بل بثبات الرؤية و حكمة القيادة .
وهكذا، لم يكن المواطن الخليجي مجرد متفرج على الأحداث ، بل كان عنصر توازن داخل معادلة معقدة ، ساهم بصمته الواعي وثباته المسؤول في حماية الجبهة الداخلية .
ذلك هو الإنسان العربي المسلم الخليجي ، حين تتحول المحنة إلى فرصة لإثبات أن الوطنية ليست خطابا يُقال و يعلن ، بل سلوكًا يُمارس ، وأن قوة الأوطان تبدأ من وعي شعوبها قبل كل شيء .