بقلم -أحمد صالح حلبي
حينما شرفني الدكتور / عبدالله بن حسين الشريف ، عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى ، والمشرف على كرسي الملك سلمان بن عبدالعزيز لدراسات تاريخ مكة المكرمة ، بإهدائي مجموعة من إصدارات الكرسي ، وجدت أنني أمام كنوز ثمينة من المعلومات التاريخية والثقافية عن مكة المكرمة ، والمشاعر المقدسة ، ورحلات الحج ، عمل أساتذة متخصصون على استخراجها بدراسات وبحوث علمية لتكون متاحة أمام المتخصصين والقراء .
وجاء كتاب (المشاعر المقدسة عبر العصور .. دراسة تاريخية حضارية ) ؛ الذي أصدره الكرسي ليكون واحدا من الكنوز الثمينة التي سعدت بها ، فقلبت صفحاته التي بلغت أكثر من أربعمائة وتسعون صفحة من الحجم المتوسط ، وتوقفت أمام من عملوا على إعداده وإخراجه بدأ من أ . د . أميرة بنت علي مداح ، كباحث رئيسي ، و أ . د . لمياء بنت أحمد شافعي ، و د . عواطف محمد نواب ، و د. حياة بنت مناور الرشيدي ، باحثون مشاركون ، وفريق العمل الذي ضم كل من : د . جيهان بنت سعد الراجحي ، د . سحر بنت علي دعدع ، أ . ايمان بنت دخيل الله العصيمي ، أ . سمر بنت عبدالله الأحمدي ، أ . تهاني بنت جميل الحربي ، وتصوير المهندس مروان بن أمين فطاني .
وقبل أن ابدا في قراءة ما دون ، اتجهت صوب المقدمة التي خطها المشرف على الكرسي الدكتور / عبدالله بن حسين الشريف ، والتي أشار فيها إلى أن الكتاب يتناول " تاريخ هذه المشاعر المقدسة عبر العصور ، فيصفها ويبين حدودها ومعالمها ، ويلقي الضوء على الجوانب السياسية واثر الفتن في أمن الحج والمشاعر قبل الإسلام وبعده إلى العصر العثماني ، ثم ينتقل للحديث عن الأحوال العلمية والثقافية فيها ومن ذلك الدعوة والوعظ والإرشاد واثر الوفود في تبادل الإجازات العلمية وتلاقح الأفكار والعلوم ، ويتطرق إلى الجوانب الاقتصادية والبيئية في مواسم الحج واثرها في انتشار الأمراض والأوبئة في المشاعر ، ثم الجوانب العمرانية والحضارية كالمنشآت المعمارية وما أجري عليها من إصلاح وإعمار وتطوير "
أما مقدمة الباحث الرئيسي ، أ . د . أميرة مداح ، فأوضحت أن " دراسة هذه الأماكن ( منى ، عرفات ، مزدلفة ) التي يؤدي المسلمون فيها الركن الخامس من اركان الإسلام ، من الأهمية بمكان ، لذا لابد لهم أن يكونوا على بصيرة ودراية عن تاريخها وتطور أماكن عبادة الحج " .
ومن بعدها جاءت التوطئة متناولة الروايات الإخبارية عن الحج من آدم حتى إبراهيم عليهما السلام ، والتي " تشير إلى أن آدم عليه السلام حج على رجليه سبعين حجة ، وقد تلقته الملائكة بالمأزمين ، في أولى حجاته قائلة له : " بر حجك يا آدم إن قد حججنا قبلك بألفي عام ، كما حج إبراهيم عليه السلام بعد أن بنى الكعبة المشرفة " .
ووزع الكتاب على ثمانية فصول ، تناول الأول منها المشاعر المقدسة ، وضم أربعة مباحث ، وتحدث الفصل الثاني عن الجوانب السياسية وأثر الفتن في المشاعر المقدسة وأمنها عبر العصور ، وحمل عنوان الفصل الثالث الأحوال العلمية والثقافية في المشاعر عبر العصور ، وابرز الفصل الرابع الجوانب الاقتصادية والبيئية في مواسم الحج واثرها في انتشار الامراض والأوبئة في المشاعر المقدسة عبر العصور ، من خلال ست مباحث .
فيما تناول الفصل الخامس الجوانب العمرانية والحضارية في المشارع المقدسة عبر العصور ، وخصص الفصل السادس للحديث عن المشروعات في المشاعر المقدسة خلال العهد السعودي ، وتناول الفصل السابع الجوانب الأمنية والأوضاع الصحية في المشاعر المقدسة خلال العهد السعودي ، وجاء الفصل الثامن للحديث عن الأعمال الخيرية والخطط المستقبلية للمشاعر المقدسة في العهد السعودي .
وإن كانت هناك وقفات فابرزها جاء في الحديث عن مشروعات تطوير منطقة الجمرات ، بدأ من صدور الفتوى الشرعية رقم 314 / 4 وتاريخ 1 / 8 / 1375 هــ ، بإزالة الجبل الواقع خلف جمرة العقبة بناء على طلب وزير الداخلية وقد تمت ازالته في جمادى الاولى 1376 هــ ، وإبرازه لفكرة إنشاء جسر الجمرات من دورين ، والذي جرى الانتهاء منه في عام 1395 هــ ، وتطوير جسر الجمرات في عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز ـ يرحمه الله ـ ، إضافة لتناوله لمشرعات الطرق ووسائل المواصلات ، وقطار المشاعر ، بدأ من صدور الأمر السامي الصادر عام 1346 هــ / 1927 م ، بإصلاح الطرق الوعرة التي يمر بها الحجاج ذهابا وإيابا من جبل عرفه ، والأمر السامي الصادر عام 1350 هــ / 1931 م ، بتخطيط عرفات بواسطة طرق مستقيمة تقسمها الى مربعات ينزل فيها الحجاج بحسب بلادهم او مطوفيهم .
واختتم الباحثون دراستهم بالقول إن هذه الدراسة قدمت " نظرة تاريخية موجزة عن المشاعر المقدسة منذ أن اتخذت منسكا دون الدخول في المسائل الفقيهة " ، ومن جانبي أقول إن الدراسة وإن تناولت المشاعر المقدسة كمواقع وأحداث ، فإنها ابرزت التطورات التي شهدتها خاصة العهد السعودي الزاهر ، حيث هيأت الطرق والمرافق لخدمة ضيوف الرحمن ، وبرزت الاستفادة الفعلية من لحوم الهدي والأضاحي لتوزيعها على الفقراء والمحتاجين ، ووفرت الخدمات الإسعافية والصحية وساد الأمن والأمان ، ونعم الحجيج بأداء نسكهم بيسر وسهولة .
ختاما إن كتاباً كهذا ليس بحاجة إلى قراءة عادية ، لكنه يحتاج لقراءة متأنية تعكس قيمته وتبرز أهمية محتواه ، ولا يكفي القول بأنني قراءته ، لكن القول بالفائدة التي خرجت بها من قراءتي له .