الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٢ ابريل-٢٠٢٦       8415

بقلم : أ -  حذامي محجوب

    لم يعد المواطن العربي ، وهو يتابع مشاهد الحرب في الشرق الأوسط ، يكتفي بدور المتلقي ،  بل أصبح أسير حالة مستمرة من القلق والارتباك . 
    فكل شاشة تروي قصة ، وكل منصة تبني روايتها الخاصة ، حتى غدت الحقيقة نفسها محلّ شك ، تتنازعها المبالغات والتأويلات والتقارير الموجّهة . 
   وبين هذا الضجيج ، يجد المشاهد نفسه تائها  : ماذا يحدث فعلا  ؟ ومن يملك رواية أقرب إلى الواقع ؟ . 
    في قلب هذا المشهد  ، تطرح إيران نفسها بوصفها في موقع الدفاع ، معلنة استهدافها للقواعد الأمريكية ردّا على تهديدات وضربات سابقة . 
    غير أن ما يتكشف على الأرض يشي بصورة أكثر تعقيدا  ، إذ لا تقتصر الضربات على تلك القواعد ، بل تمتد لتصيب دول الخليج المجاورة ، مُلحقة أضرارا  مباشرة بدول تجمعها بها روابط الدين والجغرافيا ، وهو ما يرفع كلفة الصراع ويزيد من ضبابية فهمه لدى الرأي العام .
     في المقابل، تؤكد الولايات المتحدة وإسرائيل أن الخطر الإيراني يتجاوز حدود الاشتباك المباشر ، مشيرتين إلى برنامج نووي مثير للقلق  ، وشبكات من الميليشيات المنتشرة في أكثر من ساحة . 
    ومن هذا المنطلق ، تبرر واشنطن تدخلها باعتباره ضرورة لحماية مصالحها و مصالح حلفائها ، وضمان استقرار ممرات التجارة العالمية ، ومنع انفلات ميزان القوى في المنطقة .
    وسط هذا التناقض الحاد في السرديات ، قد يجد بعض العرب أنفسهم ميّالين لتصديق الرواية الإيرانية ، خاصة مع تصويرها كطرف في مواجهة مباشرة مع إسرائيل . 
  لكن ما يُغفل في كثير من الأحيان هو أن دول الخليج تدفع ثمنا  باهظا  لحرب لم تخترها ، رغم سعيها المستمر إلى لعب دور التوازن وتجنب الانزلاق نحو التصعيد ، حفاظا على أمن شعوبها واستقرار مجتمعاتها .
     لقد استطاعت هذه الدول ، على مدى سنوات ، بناء نماذج اقتصادية متماسكة ومشاريع تنموية طموحة ، وفّرت بيئة من الاستقرار لمواطنيها والمقيمين فيها . 
   غير أنها وجدت نفسها فجأة في مواجهة مباشرة مع الصواريخ والطائرات المسيّرة ، تدافع عن أراضيها ومقدراتها الحيوية ، وتتحمل تبعات صراع يتجاوز حدودها .
     ورغم محاولاتها المتكررة للتهدئة ، عبر الوساطات والتحركات الدبلوماسية ، لم تنجُ من أن تتحول إلى ساحة فعلية للصراع . 
    وهنا، لم يعد كافيا  الاكتفاء بالتحرك السياسي أو العسكري فقط ، بل بات من الضروري خوض معركة موازية : معركة السردية .
     فالإعلام، والثقافة ، والسياحة ، والمنصات الفكرية ، لم تعد أدوات ثانوية ، بل أصبحت ركائز أساسية في تشكيل الوعي الدولي . 
    ومن خلال توحيد خطاب استراتيجي متوازن يحفظ خصوصية كل دولة دون أن يبدد وحدة الموقف ، يمكن لدول الخليج أن تقدم للعالم رواية واضحة ، قوية ، ومقنعة : رواية تؤكد أنها ليست طرفا  في إشعال الصراع ، بل انها  فاعل مسؤول يسعى إلى حماية أمنه ، ودعم استقرار المنطقة ، والدفاع عن نظام إقليمي أكثر توازنا .
في المحصلة ، لا يعيش الشرق الأوسط حربا  واحدة ، بل حربين متزامنتين : حربا  بالنار والصواريخ ، وأخرى على الحقيقة والمعنى .

وفي خضم هذا التعقيد ، تمتلك دول الخليج من عناصر القوة ، اقتصادا ، ودبلوماسية ، وقدرة دفاعية ،  ما يؤهلها ليس فقط للصمود ، بل أيضا  لصياغة رواية عادلة ، تُنصف مواقفها وتُبرز دورها في حماية استقرار المنطقة بأسرها  .