بقلم : أ - حذامي محجوب
لم يعد المواطن العربي ، وهو يتابع مشاهد الحرب في الشرق الأوسط ، يكتفي بدور المتلقي ، بل أصبح أسير حالة مستمرة من القلق والارتباك .
فكل شاشة تروي قصة ، وكل منصة تبني روايتها الخاصة ، حتى غدت الحقيقة نفسها محلّ شك ، تتنازعها المبالغات والتأويلات والتقارير الموجّهة .
وبين هذا الضجيج ، يجد المشاهد نفسه تائها : ماذا يحدث فعلا ؟ ومن يملك رواية أقرب إلى الواقع ؟ .
في قلب هذا المشهد ، تطرح إيران نفسها بوصفها في موقع الدفاع ، معلنة استهدافها للقواعد الأمريكية ردّا على تهديدات وضربات سابقة .
غير أن ما يتكشف على الأرض يشي بصورة أكثر تعقيدا ، إذ لا تقتصر الضربات على تلك القواعد ، بل تمتد لتصيب دول الخليج المجاورة ، مُلحقة أضرارا مباشرة بدول تجمعها بها روابط الدين والجغرافيا ، وهو ما يرفع كلفة الصراع ويزيد من ضبابية فهمه لدى الرأي العام .
في المقابل، تؤكد الولايات المتحدة وإسرائيل أن الخطر الإيراني يتجاوز حدود الاشتباك المباشر ، مشيرتين إلى برنامج نووي مثير للقلق ، وشبكات من الميليشيات المنتشرة في أكثر من ساحة .
ومن هذا المنطلق ، تبرر واشنطن تدخلها باعتباره ضرورة لحماية مصالحها و مصالح حلفائها ، وضمان استقرار ممرات التجارة العالمية ، ومنع انفلات ميزان القوى في المنطقة .
وسط هذا التناقض الحاد في السرديات ، قد يجد بعض العرب أنفسهم ميّالين لتصديق الرواية الإيرانية ، خاصة مع تصويرها كطرف في مواجهة مباشرة مع إسرائيل .
لكن ما يُغفل في كثير من الأحيان هو أن دول الخليج تدفع ثمنا باهظا لحرب لم تخترها ، رغم سعيها المستمر إلى لعب دور التوازن وتجنب الانزلاق نحو التصعيد ، حفاظا على أمن شعوبها واستقرار مجتمعاتها .
لقد استطاعت هذه الدول ، على مدى سنوات ، بناء نماذج اقتصادية متماسكة ومشاريع تنموية طموحة ، وفّرت بيئة من الاستقرار لمواطنيها والمقيمين فيها .
غير أنها وجدت نفسها فجأة في مواجهة مباشرة مع الصواريخ والطائرات المسيّرة ، تدافع عن أراضيها ومقدراتها الحيوية ، وتتحمل تبعات صراع يتجاوز حدودها .
ورغم محاولاتها المتكررة للتهدئة ، عبر الوساطات والتحركات الدبلوماسية ، لم تنجُ من أن تتحول إلى ساحة فعلية للصراع .
وهنا، لم يعد كافيا الاكتفاء بالتحرك السياسي أو العسكري فقط ، بل بات من الضروري خوض معركة موازية : معركة السردية .
فالإعلام، والثقافة ، والسياحة ، والمنصات الفكرية ، لم تعد أدوات ثانوية ، بل أصبحت ركائز أساسية في تشكيل الوعي الدولي .
ومن خلال توحيد خطاب استراتيجي متوازن يحفظ خصوصية كل دولة دون أن يبدد وحدة الموقف ، يمكن لدول الخليج أن تقدم للعالم رواية واضحة ، قوية ، ومقنعة : رواية تؤكد أنها ليست طرفا في إشعال الصراع ، بل انها فاعل مسؤول يسعى إلى حماية أمنه ، ودعم استقرار المنطقة ، والدفاع عن نظام إقليمي أكثر توازنا .
في المحصلة ، لا يعيش الشرق الأوسط حربا واحدة ، بل حربين متزامنتين : حربا بالنار والصواريخ ، وأخرى على الحقيقة والمعنى .
وفي خضم هذا التعقيد ، تمتلك دول الخليج من عناصر القوة ، اقتصادا ، ودبلوماسية ، وقدرة دفاعية ، ما يؤهلها ليس فقط للصمود ، بل أيضا لصياغة رواية عادلة ، تُنصف مواقفها وتُبرز دورها في حماية استقرار المنطقة بأسرها .