بقلم ـ عبد الحميد حميد الكبي
في خطوة تعكس التزاماً عميقاً بالتنمية المستدامة، تستعد العاصمة الكازاخستانية أستانا لاستضافة القمة البيئية الإقليمية (RES) 2026 في الفترة من 22 إلى 24 أبريل المقبل.
القمة، التي أطلقها الرئيس قاسم جومارت توكاييف، ستجمع نحو 1500 مشارك من الحكومات والمنظمات الدولية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، لصياغة حلول مشتركة لتحديات المناخ والبيئة في آسيا الوسطى.
حيث تأتي أهمية القمة من كونها ليست مجرد منتدى حواري، بل منصة عملية تحول الالتزامات الدولية إلى إجراءات ملموسة.
آسيا الوسطى تواجه تحديات بيئية حادة مثل تدهور بحر آرال الذي أصبح رمزاً عالمياً للكوارث البيئية، وانخفاض مستوى بحر قزوين، إلى جانب تأثيرات تغير المناخ على الزراعة والأمن الغذائي والموارد المائية.القمة تسعى إلى بناء تعاون إقليمي حقيقي بالشراكة مع الأمم المتحدة، حيث أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة المبادرة رسمياً بقرار رقم 78/147 في ديسمبر 2023، وتم تعزيزها في الدورة الثمانين عام 2025.
جهود الرئيس توكاييف والحكومة الكازاخستانية كانت محورية في تحويل الفكرة إلى واقع.
أعلن الرئيس المبادرة أول مرة في الدورة الثامنة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2023، ثم أعاد التأكيد عليها مراراً، مما أكسبها زخماً دولياً واسعاً.
وفي إحدى كلماته، أكد توكاييف أن آسيا الوسطى هي واحدة من أكثر المناطق عرضة لتغير المناخ في العالم، حيث يحدث الاحترار هنا مرتين أسرع من المتوسط العالمي. دعم ذلك سلسلة من الوثائق المتعددة الأطراف، من إعلان كاراباخ في قمة منظمة الدول التركية يوليو 2024، إلى البيان المشترك لاجتماع رؤساء دول آسيا الوسطى في أغسطس 2024، وإعلان بيشكيك في نوفمبر 2024. كما أدت المشاورات الإقليمية والدولية في عام 2025 بما في ذلك مشاركة كازاخستان في مؤتمر الأطراف الثلاثين (COP30) وجمعية الأمم المتحدة للبيئة إلى صياغة مفهوم محدث للقمة وإطلاق أكثر من 20 مبادرة إقليمية.
على المستوى الحكومي، يظهر النشاط الدبلوماسي المكثف في الأسابيع الأخيرة.
شارك وفد برئاسة النائب الأول لوزير الخارجية يرزان أشيكباييف في اجتماع الأمم المتحدة للمياه في روما نهاية مارس، حيث عرض خطط إنشاء منظمة دولية للمياه تحت رعاية الأمم المتحدة.
كما التقى رئيس الوزراء أولزاس بيكتينوف بمجلس إدارة صندوق إنقاذ بحر آرال في 30 مارس، مؤكداً أولوية رقمنة إدارة المياه وصياغة اتفاقية إطارية إقليمية للموارد المائية.
وفي مؤتمر صحفي يوم 31 مارس، أوضح نائب وزير البيئة منصور أوشورباييف أن القمة مصممة لتحويل الحوار إلى نتائج ملموسة، بمشاركة 17 وكالة أممية وأكثر من 2800 مسجل (حسب آخر التصريحات الرسمية)، منهم أكثر من 1000 مندوب دولي.
يمتد جدول أعمال القمة على ثمانية مجالات مترابطة تشمل التحول المناخي، التكيف مع المخاطر، الأمن الغذائي، الإدارة المستدامة للموارد، مكافحة التلوث، التمويل الأخضر، الانتقال العادل، والكفاءات البيئية الرقمية.
من المتوقع اعتماد إعلان مشترك لرؤساء دول آسيا الوسطى، وبرنامج عمل إقليمي 2026-2030 مع وكالات الأمم المتحدة، إلى جانب إطلاق مشاريع جديدة ومعرض RES EXPO للتكنولوجيا الخضراء.
من منظور تحليلي، تمثل القمة نموذجاً ناجحاً للدبلوماسية البيئية الإقليمية في منطقة تعاني من ضعف التنسيق التاريخي بين الدول الخمس.
نجاحها يعتمد على قدرتها على تجاوز التحديات السياسية والاقتصادية المعتادة، مثل اختلاف الأولويات التنموية وصعوبة جذب التمويل الأخضر الكافي. ومع ذلك، فإن الشراكة القوية مع الأمم المتحدة والدعم من منظمات مثل الوكالة الدولية للطاقة المتجددة ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يمنحها ميزة استراتيجية. ومن المتوقع أن تواجه تنفيذ برنامج العمل 2026-2030 صعوبات مثل ضمان الالتزام المستمر من جميع الدول الإقليمية، وتجاوز العوائق البيروقراطية، وتأمين التمويل طويل الأجل في ظل الضغوط الاقتصادية العالمية.
في رأيي، يُعد هذا المسار خطوة جريئة ومدروسة، لكن نجاحه الحقيقي سيقاس بمدى تنفيذ الاتفاقيات على أرض الواقع وليس فقط في الإعلانات.
كازاخستان أثبتت قدرتها على قيادة مثل هذه المبادرات من خلال تاريخها في استضافة قمم دولية، لكن التحدي يكمن في تحويل الزخم السياسي إلى تغيير بيئي ملموس يستفيد منه المواطنون العاديون.
تبرز كازاخستان كقوة دافعة للتعاون الإقليمي، مقدمة نموذجاً يمكن أن يُحتذى به في مناطق أخرى تواجه تحديات مشابهة. القمة ليست مجرد حدث، بل فرصة لتعزيز الاستثمار في الطاقة المتجددة، خلق فرص عمل خضراء، وتعزيز المساواة، مما يعكس رؤية شاملة تجمع بين الطموح البيئي والتنمية الاقتصادية.
في الختام، تمثل قمة RES 2026 لحظة فارقة في مسيرة آسيا الوسطى نحو مستقبل أكثر استدامة.
من خلال قيادة الرئيس توكاييف والجهود الحكومية المنسقة، أصبحت كازاخستان جسراً بين الالتزامات العالمية والحلول الإقليمية العملية. إذا نجحت في تحقيق نتائجها المتوقعة، فإنها ستضع أساساً متيناً للتعاون طويل الأمد، وستذكرنا بأن التحديات البيئية مهما كانت جسيمة يمكن مواجهتها بالعمل المشترك والإرادة السياسية الحقيقية.
وستكون ثمار هذه القمة، في نهاية المطاف، لصالح الأجيال القادمة وسكان المنطقة الذين عانوا طويلاً من تداعيات مأساة بحر آرال، ليحصلوا على بيئة أنظف ومستقبل أكثر أملاً واستقراراً.