الكاتب : النهار
التاريخ: ٣١ مارس-٢٠٢٦       11550

بقلم ـ علي المالكي

ما حدث خلال شهر ونيف من القصف الأمريكي والإسرائيلي لإيران لم يكن سوى استعراض قوة عسكرية لكنه لم يلامس جوهر الأزمة ولم يقترب من مركز الخطر الحقيقي. 
نعم قد تُدمر منشآت وتُقصف قواعد وتُستنزف قدرات لكن هل سقط المشروع؟ 
هل انهار النظام؟ 
الجواب الواضح: لا.
لأن المسألة في إيران ليست مجرد صواريخ ومفاعلات بل عقيدة متجذّرة ونظام قائم على فكرة توسعية مؤدلجة يرى في الفوضى وسيلة وفي التمدد غاية وفي الزمن حليفًا لا عدوًا. 
نظام (الولي الفقيه) لم يُبن ليكون دولة طبيعية بل مشروعًا عابرًا للحدود يُعيد إنتاج نفسه حتى بعد أقسى الضربات.
التجارب أمامنا لم تكن هذه أول مواجهة ولن تكون الأخيرة. 
كل مرة يتلقى هذا  النظام  ضربات ينكفئ قليلًا ثم يعيد ترتيب أوراقه ويفعّل أذرعه ويعود بشكل أكثر حذرًا لكنه أكثر خطورة. 
لأنه ببساطة لا يقاتل بعقل الدولة بل بعقل العقيدة والعقائد لا تُهزم بالقصف وحده.
الرهان على أن تدمير البنية العسكرية سيُنهي التهديد هو رهان ساذج. 
فالنظام ذاته هو مصنع التهديد وهو الذي يُنتج الأذرع ويغذي المليشيات ويزرع الفوضى في كل مكان يصل إليه. 
ما دام هذا  النظام  قائمًا فكل ما يُدمر اليوم سيُعاد بناؤه غدًا وربما بشكل أكثر تطورًا وأكثر سرية وأكثر فتكًا.
بل إن الأخطر من ذلك أن استمرار هذا  النظام  يمنحه الوقت الكافي لتحقيق هدفه الأكبر : الوصول إلى السلاح النووي وحينها لن تكون المنطقة أمام تهديد تقليدي يمكن احتواؤه بل أمام واقع جديد يُفرض بالقوة ويُدار بالابتزاز.
الحقيقة التي يحاول البعض تجاهلها أو الهروب منها أن الحلول الجزئية لم تعد مجدية. 
الضربات المحدودة العمليات الموضعية وحتى الحروب القصيرة كلها تؤجل الانفجار ولا تمنعه لأنها تتعامل مع الأعراض وتترك المرض ينمو في العمق.
الحل الجذري لا يكمن في استنزاف  النظام  بل في إنهائه للأبد. 
لا يكمن في إضعافه بل في اقتلاعه. 
لأن بقاءه يعني بقاء المشروع الذي لا يعترف بحدود ولا يحترم سيادة ولا يرى في استقرار المنطقة إلا عائقًا أمام طموحاته.
إن المنطقة لا تحتاج إلى جولات قصف جديدة بل إلى رؤية حاسمة تدرك أن مصدر الخطر واحد وأن استمراره هو الضمان الوحيد لتجدد الفوضى. 
وكل تأخير في مواجهة هذه الحقيقة هو كلفة تُدفع من أمن الشعوب واستقرار الدول.
التاريخ لا يحفظ للدول أمنها إذا تركت مصادر التهديد تتكاثر أمامها. 
وإيران اليوم بنظامها الحالي ليست مجرد دولة تختلف معها بل مشروع لا يمكن التعايش معه على المدى الطويل.
ولذلك فإن كل حديث عن حلول مرحلية أو احتواء مؤقت أو ردع محدود هو في الحقيقة إعادة تدوير للأزمة لا حل لها. 
أما الحل الحقيقي فهو واضح لمن يريد أن يرى : إزالة هذا  النظام  من جذوره وإنهاء المشروع الذي يقف خلفه قبل أن يفرض نفسه كأمر واقع لا يمكن تغييره.