بقلم: ريماس الصينية – صحفية في CGTN العربية
محطة تاريخية تتجدد
قبل ثلاثة أعوام، وفي شتاءٍ استثنائي، أضاءت أنوار مركز الملك عبد العزيز الدولي للمؤتمرات في العاصمة السعودية الرياض، حيث انعقدت القمة الصينية-العربية الأولى، بمشاركة قادة وممثلي 21 دولة عربية، في لحظة مفصلية شكّلت علامة بارزة في تاريخ العلاقات بين الصين والعالم العربي.
واليوم، تتجه الأنظار إلى فصل جديد من هذه المسيرة، مع اقتراب انعقاد القمة الثانية في بكين عام 2026. من الرياض إلى بكين، ومن واحات الصحراء إلى قلب الشرق العريق، لم تتوقف مسيرة التعاون، بل ازدادت زخمًا وعمقًا في سياق دولي متغير.
وقد لخّص الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، هذه العلاقة بثلاث كلمات: راسخة، وثيقة، وواعدة.
شراكة تقوم على الاحترام
في عام 1990، زار أحمد أبو الغيط الصين للمرة الأولى، ومنذ ذلك الحين، عاد إليها ست مرات خلال 35 عامًا، شهد خلالها التحولات الكبرى التي عرفها هذا البلد. وأكد أن ما حققته الصين من تقدم غير مسبوق يعكس كفاءة قيادتها وعزيمة شعبها.
غير أن جوهر التميز في هذه العلاقة لا يكمن فقط في سرعة التنمية، بل في طبيعة الشراكة نفسها. فالصين، كما أشار، لا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول، ولا تفرض شروطًا أحادية، بل تعتمد على مبدأ المساواة والاحترام المتبادل والتعاون المشترك.
هذا النهج شكّل الأساس المتين الذي حافظ على استمرارية العلاقات الصينية-العربية وتطورها منذ خمسينيات القرن الماضي، وجعل من الثقة المتبادلة ركيزة أساسية لهذه الشراكة.
قصة الأرقام: نمو بعشرة أضعاف
تعكس الأرقام حجم التحول في العلاقات الاقتصادية بين الجانبين. ففي عام 2004، بلغ حجم التبادل التجاري نحو 46 مليار دولار، بينما قارب في عام 2025 حاجز 409 مليارات دولار، أي بزيادة تقارب عشرة أضعاف.
لكن الأرقام لا تروي القصة كاملة. ففي مصر، تشارك الشركات الصينية في بناء العاصمة الإدارية الجديدة، حيث يرتفع أطول برج في أفريقيا بارتفاع 385.8 متر. وفي الجزائر، يمتد الطريق السيار شرق-غرب لأكثر من 1200 كيلومتر، رابطًا الساحل بالداخل.
وفي قطر، أصبح استاد لوسيل رمزًا عالميًا بعد استضافة نهائي كأس العالم، بينما يبرز في المغرب جسر محمد السادس كأحد أبرز مشاريع البنية التحتية الحديثة في القارة.
هذه المشاريع ليست مجرد إنجازات هندسية، بل تعبير حي عن شراكة تنموية تجمع بين الخبرة الصينية والطموح العربي.
من البنية التحتية إلى الذكاء الاصطناعي
لا تقتصر آفاق التعاون على المشاريع التقليدية، بل تمتد إلى مجالات المستقبل. فقد أشار أحمد أبو الغيط إلى التقدم اللافت الذي تحققه الصين في مجال الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن التعاون في التكنولوجيا والتعليم والابتكار يفتح آفاقًا واسعة أمام الجانبين.
وفي جانب ثقافي لافت، أبدى إعجابه بتراث الصين الفكري، خاصة كتابات “سون تسي”، التي ما تزال تلهم العالم حتى اليوم، في دلالة على عمق التفاعل الحضاري بين الثقافات.
تطلعات إلى قمة بكين
مع اقتراب انعقاد القمة الصينية-العربية الثانية، تتزايد التطلعات إلى مشاركة واسعة من القادة العرب، بما يعزز التعاون السياسي والاقتصادي ويدفع نحو تحقيق تنمية مستدامة طويلة الأمد.
من الرياض إلى بكين، تتواصل مسيرة بدأت منذ عقود، وتدخل اليوم مرحلة أكثر شمولًا وعمقًا.
مسار مستقل ورؤية مشتركة
في عالم يشهد تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، تبرز الصين والدول العربية بخيار مختلف يقوم على عدم الانحياز، والسعي إلى بناء نظام دولي أكثر توازنًا وعدالة.
وتحظى المبادرات الصينية في مجالات التنمية والأمن والحضارة والحوكمة بدعم عربي واسع، ما يعكس تقاربًا في الرؤى يقوم على احترام السيادة والسعي المشترك لتحقيق التنمية.
من القوافل إلى البيانات
من طرق القوافل القديمة إلى مسارات الاقتصاد الرقمي، تتواصل قصة التعاون بين الصين والعالم العربي بثبات.
القمة الأولى كانت لحظة تاريخية، والثانية تمثل امتدادًا لها، لكن الأهم هو المسار الطويل الذي يجمع الجانبين، والمسار الأطول الذي ينتظرهما.
تكمن قوة هذه الشراكة في أنها نشأت على أساس المساواة والاحترام، وهي ثمرة تفاعل طويل واختيار متبادل بين شعبين ومنطقتين.
وتتجلى هذه الشراكة في المدن التي شُيّدت في قلب الصحراء، وفي الجسور التي تعبر الحدود، وفي أرقام التجارة المتنامية، وفي التبادل الثقافي بين الأجيال.
وقريبًا، حين يجتمع القادة في بكين، لن يكون ذلك مجرد حدث سياسي، بل خطوة جديدة نحو صياغة رؤية مشتركة لمستقبل التنمية والتعاون في عالم سريع التغير.