الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٤ مارس-٢٠٢٦       12760

بقلم ـ حمد حسن التميمي

هل سألت نفسك يوماً لماذا يبدو التسامح مع من آذاك أصعب من مواجهة جيش بأكمله؟ لماذا نستسهل الحرب ونستصعب المصالحة، رغم أن الأولى تهدم والثانية تبني؟

هذا السؤال لم يعد فلسفياً مجرداً، بل صار واقعاً تعيشه دول بأكملها، وتُجيب عنه قرارات تُتخذ في غرف مغلقة بينما الصواريخ تحلق فوق رؤوس الجميع.

في مارس 2026، حين اشتعل النزاع الأمريكي الإيراني وبدأت الضربات تمزق سماء المنطقة، كان العالم ينتظر من دول  الخليج  أن تختار طرفاً في حفلة النار. فالتاريخ بين  الخليج  وإيران مثقل بعقود من التوتر، من حروب بالوكالة إلى نزاعات على النفوذ إلى خلافات جيوسياسية عميقة. كل المنطق التقليدي كان يقول: هذه لحظة تصفية الحسابات.

لكن ما حدث كان مختلفاً تماماً. دول  الخليج  اختارت طريقاً ثالثاً لم يتوقعه كثيرون: ضبط النفس والحياد الذكي.

السعودية أعلنت رفضها السماح باستخدام أراضيها أو أجوائها ضد إيران، وقطر واصلت أداء دورها في الوساطة والتهدئة كما فعلت في ملفات سابقة.

لم يكن هذا ضعفاً، بل كان أنضج قرار يمكن أن تتخذه دولة تعرف أن الحروب تبدأ بطلقة وتنتهي بأجيال من الخراب.

في علم النفس، هناك ظاهرة شهيرة تُعرف بـ"تأثير بنجامين فرانكلين"، أثبتها الباحثان جون جيكر وديفيد لاندي في تجربة نُشرت عام 1969 بمجلة العلاقات الإنسانية.

خلاصتها أن من يقدم معروفاً لشخص يكرهه، يبدأ عقله بإعادة تقييم مشاعره تجاهه، لأن الدماغ لا يحتمل التناقض بين الفعل والشعور.

هذا ما يسميه عالم النفس ليون فستنغر "التنافر المعرفي": حين تتصرف بنبل مع من تعاديه، يُعيد عقلك برمجة نفسه ليقول "لا بد أنني لا أكرهه بهذا القدر".

دول الخليج، ربما دون أن تقرأ هذه الدراسة، طبقتها على أرض الواقع: قدمت معروفاً استراتيجياً لخصم تاريخي، فبدأت معادلة المنطقة بأكملها تتغير.

ما فعلته هذه الدول هو بالضبط ما يعجز عنه معظمنا في حياته اليومية.

حين يؤذيك شخص وتأتيك الفرصة للانتقام، فإن الخيار الأسهل هو الضرب.

لكن الخيار الأذكى والأصعب هو أن تتوقف وتسأل: ماذا أريد فعلاً؟ هل أريد لحظة انتقام عابرة أم علاقة مستقرة طويلة؟ وهذا بالضبط ما يحدث في حروبك الشخصية: ذلك الزميل الذي تكرهه في العمل، ذلك القريب الذي قاطعته منذ سنوات، ذلك الصديق القديم الذي تحول إلى خصم.

كم من طاقتك يستهلك هذا العداء يومياً دون أن تشعر؟ وكم قراراً خاطئاً اتخذته فقط لأنك كنت تنظر بعين واحدة، العين التي لا ترى إلا سوء الآخر؟

الحقيقة التي تكشفها الأزمات الكبرى هي أن كسب العدو لا يبدأ بتغيير الآخر، بل بتغيير زاوية نظرك أنت.

حين تبحث عن المشترك بدل المختلف، وحين تمد يدك بصدق لا بحساب، وحين تعتذر عن نصيبك من الخطأ حتى لو كنت تظن أنك الأقل ذنباً، حينها فقط تبدأ المعادلة بالتحول.

كما يقول البروفيسور فتحلي مقدم من جامعة جورجتاون في كتابه "سيكولوجيا الصداقة والعداوة": العلاقات البشرية ليست ثابتة أبداً، وهذا بالتحديد ما يجعل انزلاق العداوة نحو الصداقة أمراً ممكناً دائماً.

دول  الخليج  لم تنس تاريخها مع إيران، لكنها اختارت أن ترى ما هو أبعد من الجرح: رأت مصلحة شعوبها واستقرار منطقة بأكملها يتنفس منها العالم طاقته واقتصاده.

المشهد القادم سيكشف أن من اختار ضبط النفس وقت الاشتعال هو من سيجلس على طاولة رسم المستقبل.

 أما من انجر خلف غريزة الانتقام فسيجد نفسه خارج اللعبة. 

وهذا لا ينطبق على الدول فحسب، بل عليك أنت أيضاً: من يملك شجاعة مد اليد لعدوه اليوم سيملك غداً حلفاء لم يكن يحلم بهم.

فقبل أن تنام الليلة، فكر في ذلك الشخص الذي تعتبره عدوك الأول.

تخيل أنك أرسلت له رسالة واحدة فيها كلمة طيبة صادقة.

هل تظن أن العالم سينهار؟ أم أن شيئاً بداخلك وبداخله قد يبدأ بالتغير؟