الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٤ مارس-٢٠٢٦       10395

بقلم ـ نجاة الغوز
 
عرف النقد الأدبي مؤخرا مسيرا علميا ومنهجيا مختلفا مغايرا تماما لما ألفناه سابقا عبر صيرورته التاريخية والمنهجية، ولم يعد يشتغل آليا ومنهجيا كما كان سابقا وفق منهج واضح محدد إجرائي وعلمي.
 لقد أحدثت المنصات الرقمية، والصالونات النقدية عن بعد تحولات عميقة جدا في بنية الإنتاج الثقافي من جهة، وفي أنماط التلقي وقراءة النص الإبداعي الأدبي من جهة أخرى، وفي موقع كل من النص، والناقد، والقارئ.
وقد انتقلنا في زمننا الرقمي هذا من طرح  السؤال:
هل أثّرت الرقمنة في النقد؟ إلى طرح سؤال آخر وهو: كيف غيرت المنصات الرقمية ( الفيسبوك، تويتر، اليوتيب، التيك توك..) مفهوم النقد ذاته، ومنهجه، ووظيفته الثقافية؟
وقد كان النقد الأدبي، في صورته الكلاسيكية التقليدية المدرسية إن صح التعبير، فعلا تأويليا، يتشكل بعد اكتمال قراءة النص وتحليله وتفكيك بنيته التأويلية، ويستند إلى مسافة زمنية ومعرفية تفصل بين الإبداع والقراءة.  
أما في البيئة الرقمية، فقد تحوّل النص إلى كيان مفتوح، متداول، قابل للتعليق، والمشاركة، وإعادة الصياغة، وبناء تعددية تأويلية مفتوحة على قراءات متنوعة السياقات.
لم يعد النص يقرأ في عزلة، بل داخل شبكة من التفاعلات والتأويلات المختلفة، حيث تختلط القراءة بالانطباع، والتأويل بالحكم السريع، الذاتي الانطباعي، التأثري في بعض الأحيان.
هذا التحول فرض على النقد الانتقال من مساءلة البنية النصية، والسياق الاجتماعي والثقافي والتاريخي، إلى مساءلة الخطاب الثقافي الذي ينتج حول النص، ويعيد تشكيل معناه داخل المنصة الرقمية، فالنص لم يعد وحده موضوع النقد، بل أصبح جزءاً من منظومة تداولية أوسع، تتحكم فيها الخوارزميات، والانتشار، والآنية.
 
ونؤكد في هذا الصدد، على أن أحد أبرز آثار المنصات الرقمية في النقد الأدبي، هو إزاحة مركزية المنهج النقدي الصارم.
 فالقراءة الرقمية لا تعتمد مفاهيم علمية أكاديمية معقدة، بل تتجاوز التحليل المطول مستهدفة التركيز والاختصار، والاختزال، والقدرة على إثارة النقاش.
 فتحول المنهج من سلطة معرفية آلية مغلقة إلى وسيلة أكثر مرونة.
 
اليوم ونحن في زمن رقمي زئبقي إن صح التعبير أصبح لزاما على الناقد والقارئ الأدبي إعادة التفكير في أدوات النقد الرقمي بدل النقد الأدبي:
بمعنى كيف يمكن تكييف  المفاهيم النقدية مع وسيط سريع، متجدد ومتغير؟
كيف يحافظ على العمق دون السقوط في الغموض؟
وكيف يوازن بين الصرامة الأكاديمية ومتطلبات التلقي الرقمي؟ هنا نشير إلى أن النقد الثقافي هو أكثر المناهج قدرة على التكيف مع البيئة الرقمية، لأنه لا ينحصر في النص، بل ينفتح على الأنساق المضمرة في الخطاب الإبداعي، ما يجعله أكثر المناهج معالجة لأسئلة القارئ المعاصر.
لم يعد الناقد في زمن المنصّات هو الحَكَم النهائي على قيمة النص، ولا الصوت الوحيد المخوَّل بالقول النقدي. 
فقد أفرزت البيئة الرقمية قارئاً فاعلاً، يعلّق، ويجادل، ويقترح تأويلاته الخاصة. 
وهنا، تتغيّر وظيفة الناقد من مُصدِر للحكم إلى وسيط معرفي، ينظّم النقاش، ويعمّق الأسئلة، ويكشف ما يظلّ خفياً خلف القراءة السطحية. 
إنّ تراجع سلطة الناقد لا يعني فقدان دوره، بل إعادة تعريفه. 
فوظيفته اليوم ليست إغلاق المعنى، بل فتحه؛ ليست إقصاء القراءات الأخرى، بل تأطيرها معرفياً.
 الناقد الرقمي الناجح هو من يحسن الإصغاء بقدر ما يحسن التحليل، ويحوّل التفاعل إلى معرفة، لا إلى فوضى تأويلية.
 
تعتبر المنصات الرقمية، خاصة منصات السوشل ميديا، فضاء رقميا شاسعا يساهم في بناء تصورات تأويلية تفسيرية تعتمد على ثنائية القراءة والتفاعل الآني مع النص الإبداعي الذي يتميز بدوره ببعده الرقمي، إننا نتحدث عن نقد رقمي موجه لإبداع رقمي خاصة، يركز على المهمش الهامشي أكثر من التركيز على المركزي في الإبداع ما يتماشى مع التوجه النقدي الجديد المتمركز حول المهمش .
إن الخوارزميات التي تتحكم في الانتشار، وعدد المشاهدات، واليات التفاعل، أصبحت تؤثر بشكل غير مباشر في طبيعة الخطاب النقدي، وفي الموضوعات التي تحظى بالاهتمام.
وهذا ما يجعلنا نستنتج أن النقد الأدبي في زمن الرقمنة والمنصات أصبح مطالبا بتوسيع أفقه ليشمل نقد الوسيط، لا الاكتفاء بمحتواه.
 أي مساءلة الشروط الرقمية التي تنتج القراءة، وتعيد تشكيل القيمة الأدبية خارج المعايير التقليدية.
أصبحنا نعيش فجوة نقدية تتمثل أساسا في عودة النقد الانطباعي بدل النقد العلمي الذي سعت الجامعات إلى تكريسه.
 غير أنّ هذا الحكم، على وجاهته الجزئية، يغفل الإمكانات التي تتيحها الرقمنة لإعادة تأسيس النقد على أسس جديدة: ديمقراطية، تشاركية، وأكثر التصاقا بأسئلة الواقع.
التحدي الحقيقي لا يكمن في المنصات ذاتها، بل في قدرة الناقد على استثمارها دون التفريط في جوهر الفعل النقدي: التفكير، والمساءلة، وإنتاج المعنى.
  دونما التخلي عن المنهج النقدي العلمي الذي يسمح بتقديم قراءات نقدية علمية بعيدا عن الذاتية والانطباعية التي شكلت عائقا كبيرا أمام الخطاب النقدي .
إنّ النقد الأدبي أو النقد الرقمي بلغة العصر، لا يعيش أزمة منهجية ، بقدر ما يعيش لحظة انتقالية من سلطة النص إلى دينامية الخطاب، ومن الناقد الأدبي إلى الناقد الرقمي، ومن المنهج المغلق إلى الأفق المفتوح.
 وفي عمق هذا التحول، تتجدد أسئلة النقد، وتتبدل وظائفه، دون أن يفقد جوهره بوصفه ممارسة ثقافية، تأويلية، تبحث عن عمق الجمال الإبداعي.