الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٢ مارس-٢٠٢٦       10670

بقلم ـ عيسى المزمومي

عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ؟
بما مضى أم بأمرٍ فيك تجديدُ؟
أمّا الأحبّةُ فالبيداءُ دونهمُ
فليت دونكَ بيدًا دونها بيدُ
العيد هو كلُّ يومٍ فيه جمع، وأصل الكلمة من “عاد يعود”. قال ابن الأعرابي: سُمّي العيد عيدًا؛ لأنه يعود كلَّ سنةٍ بفرحٍ متجدّدٍ وأملٍ مشرق! 
يأتي العيد، وتمرّ لحظاته كطيفٍ عابر، ولم تعد فرحته كما كانت في الزمن الجميل؛ ذلك الزمن الذي كان يبعث في أرواحنا الأمل، والودّ، والفضيلة.

لقد ذهبت فرحة العيد، وغابت ابتسامتنا البيضاء أمام إعصار “التطور التكنولوجي” وبرامج التواصل الاجتماعي؛ إذ اقتلعت مشاعر الفرح من جذورها، وأصبح كل شيء سريعًا بلا طعم.
أين مشاعرنا؟ أين ضحكات أصدقاء الطفولة؟ أين ابتسامات الصبا التي عشنا معها أيامًا لا تُنسى، وزرعنا فيها همسات الحب وبقايا نعناع الحكايا؟ لقد أصبحنا نعيش بين كتلٍ إسمنتيةٍ عازلة، فرّقت بين الأرواح قبل الأجساد؛ نمشي الهوينى وكأن هاجس الألم يداهم أرواحنا المتعبة. صارت ذكرياتنا حبيسة جهازٍ ذكي يحرمنا لذّة اللقاء. فلماذا نتغيّر نحن، بينما الزمن ثابت؟! 
لم يعد للحلوى ولا للعيد طعم؛ تلاشت ذكرياتنا الجميلة، وأصبح كل شيء يمرّ كطيفٍ من وجعٍ وسهاد. 
تباعدت القلوب، وتناثر أفراد الأسرة الواحدة في أركان المنزل، وانشغل الجميع باللهاث خلف سراب المال، ورصيد البنك، وبطاقات الائتمان، وحلم الوصول! 
أصبحنا نعاني من جفاف المشاعر، وأضحت أرواحنا لا تطيق بعضها؛ يموت أحدهم فلا ندرك أنه غادر إلى غير رجعة، ولا نشعر أنه أصبح أثرًا بعد عين.
 ذهبت أحلامه، وطموحاته، وضحكاته، وجزء من مشاعره التي عشناها معه، وكأن شيئًا لم يكن.
يمضي الوقت كطيفٍ عابر، وكل شيء من حولنا يتغيّر. تركنا خلفنا ذكرياتٍ جميلةً قتلها الجشع قهرًا، ولم يبقَ لنا من شخوص الماضي إلا الدموع، نعبّر بها عن طموحٍ صامتٍ يقودنا نحو المجهول! 
حتى صغارنا تعلّموا منّا الأنانية وحبّ الذات، وأصبح الإنسان يُقاس بما يملك من مال. فكيف أصبحنا في يوم العيد كجثثٍ هامدة، نعيش خوف اللحظة القادمة، ونتوجّس من كربٍ قادمٍ وأملٍ مقتول؟! 
نُدرك أننا من تراب، وإلى تراب، وأن مصيرنا قبرٌ صغير سيضمّ أجسادنا، لنمضي إلى مجهولٍ لا عودة منه.
تتزاحم في داخلي تساؤلاتٌ موجعة تدفعني للكتابة عن “لحظات العيد”، وقد تموت مشاعري على بياض الورق، وأنا أتأمل مشهدًا عابرًا يدفعني إلى البكاء هربًا من هذا الصخب. 
أخرج من جحيم نفسي الأمّارة بالسوء إلى “فرحةٍ مقتولة” على ذكريات عمرها خمسون عامًا من الوجع والحزن… فهل يحقّ لي البكاء؟! 
وإلى أن يستمر هذا الوجع… أقول وداعًا، لعلّ بعضي يعود إليكم، ولكن بنصف إنسان… بلا مشاعر!