الكاتب : النهار
التاريخ: ١٤ مارس-٢٠٢٦       35640

بقلم - الدكتور أحمد حساني
لم يكن صعود آية الله مجتبى حسيني خامنئي صاحب الـ 56 عاما إلى منصب المرشد الأعلى في 9 مارس 2026 مجرد عملية انتقال روتينية داخل دولة عادية، بل لحظة مفصلية تكشف عن أزمة بنيوية عميقة في صميم الجمهورية الإيرانية ذاتها.
المسألة لم تعد تتعلق بشخص يجلس على قمة الهرم السياسي-الديني، بل بطبيعة الهرم نفسه، هل ما زال قادرا على الوقوف بمفرده، أم أن اختيار مجتبى – ابن المرشد الراحل علي خامنئي الذي اغتيل في الضربات الأمريكية-الإسرائيلية الأولى – هو في الواقع اعتراف صامت بأن النظام قد دخل مرحلته الأكثر هشاشة منذ تأسيسه عام 1979؟

هذا الاختيار، الذي جاء تحت ضغط الحرس الثوري لم يكن مفاجئا، لكنه يأتي في لحظة تاريخية تُعد الأخطر منذ 1979، الحرب المباشرة، انهيار مشروع طهران الإقليمي، عزلة دولية غير مسبوقة، وانهيار اقتصادي داخلي.
السؤال الذي يتردد الآن في الدوائر العربية والدولية والإيرانية المعارضة، هل يكون مجتبى المرشد الأخير للنظام الإيراني؟ الإجابة ليست يقينا، لكن التحليلات الاستراتيجية تشير إلى أن عهده قد يكون انتقاليا أو نهاية للجمهورية الإسلامية كما نعرفها!
هذه اللحظة ليست خلافة تقليدية، بل اعتراف دستوري وعملي بفشل النموذج الأساسي للجمهورية الإسلامية، الثورة الخمينية قامت أصلا على رفض الحكم الوراثي الشاهنشاهي، ووعدت بـ”ولاية الفقيه” كمؤسسة دينية-ثورية لا عائلية، اليوم، وبعد 47 عاما، يصبح الابن الثاني لخامنئي مرشدا ثالثا تحت ضغط الحرس الثوري في ظل حرب مباشرة، وغياب جسدي شبه كامل للمرشد الجديد، بيان مكتوب فقط قرأه مذيع التلفزيون في 12 مارس، وسط تقارير عن إصابات خطيرة قد تكون بتر ساق أو غيبوبة!انهيار الشرعية الثورية فالجمهورية بنيت على مبدأ الاختيار من الحوزة والشعب، عبر مجلس الخبراء، لكن اختيار مجتبى جاء بالإجماع تحت الضغط العسكري، كما أكدت مصادر متعددة، هذا يحول ولاية الفقيه إلى حكم عائلي تماما، كما حذر الخميني نفسه سابقا، المعارضون داخل الحوزة والنخب يصفونه الآن بـ”عودة الشاه بثوب ملالي”.

هذا التحول يفقد النظام آخر ما تبقى له من شرعية ثورية، خاصة بعد انهيار مشروع طهران الإقليمي (سقوط الأسد، تفكك الهلال الشيعي، إضعاف حزب الله والحوثيين).
سيطرة الحرس الثوري على الدولة، مجتبى ليس مرشدا كاريزميا مثل خميني أو والده، هو رجل الحرس منذ سنوات يدير شبكاته المالية والأمنية، قمع الاحتجاجات علي مدار السنوات الأخيرة، فاختياره لم يكن من الحوزة فقط، بل تحت رعاية الحرس الثوري، هذا يعني أن الدولة لم تعد جمهورية إسلامية بل دولة عسكرية-دينية يحكمها الجنرالات من وراء الستار، الهرم لم يعد يعتمد على الدين أو الثورة، بل على البنادق والمصالح الاقتصادية للحرس علي حساب استقرار المنطقة!
هذا البيان الذي تكون من 45 كلمة فقط، والذي لم يُصاحب بفيديو أو صوت لمجتبى نفسه  ليس خطاباً تقليدياً طويلاً كما كان يلقيه والده علي خامنئي، بل رسالة حربية مختصرة، موجّهة أكثر للداخل الإيراني والوكلاء المتبقين من محور المقاومة.
لقد أدركت طهران على مدى عقود طويلة أن الرأي العام الأمريكي يُعد أحد أقوى “الحلفاء” غير المباشرين لها في تقييد طموحات الرؤساء الأمريكيين في المنطقة.

تجلى هذا الدرس بوضوح تام عام 1983، عندما أدى التفجير الإيراني المدعوم لثكنات مشاة البحرية الأمريكية في بيروت إلى مقتل 241 جندياً أمريكياً، مما دفع الرئيس رونالد ريغان – رغم وعوده الأولية بالبقاء – إلى سحب القوات الأمريكية من لبنان في فبراير 1984.
واليوم، يعيد النظام الإيراني تكرار نفس الاستراتيجية بأسلوب معاصر. من خلال إلحاق أضرار مباشرة بجيرانه في دول الخليج، وتهديد مرور نحو 20 مليون برميل نفط يومياً عبر مضيق هرمز، تسعى طهران إلى رفع أسعار الطاقة العالمية بشكل حاد، مما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة وتفاقم الضغوط الاقتصادية على المواطنين الأمريكيين.
‏نحن نؤمن أن المشروعين الصهيوني والإيراني يشبهان سرطانا ابتُليت به المنطقة، ينهش الاستقرار ويزرع الصراع حيثما وُجد، فالقضية ليست شعارات ولا اصطفافات عابرة، بل موقف أخلاقي يرى أن الظلم، أيّا كان مصدره، يظل ظلما يجب رفضه.
ايران تدفع اليوم ثمن شعارات رفعتها لعقود عن " وحدة الساحات " والمواجهة الكبرى مع اسرائيل، فقد راكمت القوة عبر الحرس الثوري، وجيشها، وأذرعها العسكرية في دول عربية تحت شعا  تحرير القدس، لكنها حين جاءت لحظة الاختبار في حرب 7 اكتوبر على غزة اختارت ما سمته الصبر الاستراتيجي ومشاركة محدودة سميت حرب الاسناد، عندها انكشفت الفجوة بين الشعار والواقع، وظهرت ورطة طهران بوضوح؛ شعارات كبيرة بلا استعداد حقيقي للمواجهة، ونفوذ بني بإسم فلسطين يجد نفسه اليوم مكشوفا امام اختبار الحرب.
فالفجوة بين الشعار والواقع هي المقبرة التي تُدفن فيها المصداقية، إيران التي استثمرت في حرب الوكالة لعقود تجد نفسها اليوم عاجزة عن دفع ثمن المواجهة الكبرى، الشعارات التي لاتحمي أصحابها وقت الشدة، هي مجرد أدوات تضليل انتهت صلاحيتها في غزة!
ولعل الحرب الأخيرة على طهران تكون مناسبة للخروج من الثنائية المضللة؛ أيهما أخطر، إسرائيل أم إيران؟ فالمفاضلة بين خطرين خطر في حد ذاته، والمدهش أن كليهما يستند، على نحو ما وبدرجات متفاوتة، إلى أساطير تاريخية لتبرير الصراع والهيمنة.
الشرق الأوسط محاط عمليا بمثلث إقليمي؛ تل أبيب وطهران وأنقرة، وكل ضلع من أضلاعه يحمل طموحات توسعية علي حساب منطقتنا العربية!