الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٩ مارس-٢٠٢٦       11055

بقلم ـ د. فاطمة الفهيد

تأتي العشر الأواخر من رمضان كمنعطفٍ وجوديٍّ حاسم، تتكثّف فيه المعاني الروحية لتتجاوز حدود الزمان والمكان. 
إنها ليست مجرد خاتمة لشهرٍ مبارك، بل هي "ذروةُ التجربةِ الإيمانية" التي يصطفي فيها الحقُّ سبحانه عباده للارتقاء في مدارج القرب، وهجرة سكون العادة إلى جلال العبادة، ليدخل المؤمن في حيز البركة التي وصفها الله بقوله: { فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ۚ }. هي ليلة القدر، كما أكد المفسرون، وهي الليلة التي تتنزل فيها الملائكة ويفرق فيها كل أمر حكيم.
وهي عُمقُ اللحظةِ في "ليلةِ القَدْر"
تتمثّل المعجزة الروحية في هذه الليالي بوجود ليلةٍ تخرقُ نواميس المألوف؛ حيث يغدو الزمنُ فيها مركزاً، فتُختزل عقودٌ من العبادة والترقي في ساعاتٍ معدودات.
 إنَّ نيل بركة هذه الليلة يمنح المؤمن "بَرَكة الخلودِ المعنوي"، إذ يوازي العملُ فيها دهراً كاملاً من الزمان، وكأنَّ الخالق سبحانه يطوي بساط السنين ليمنح عبدهُ فرصةً لتداركِ ما فات واستشرافِ ما هو آت، مصداقاً لقوله عز وجل: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}.
مقاماتُ العفو: مَحْوُ الأثرِ والبدءُ الجديد
يتجلى سُموُّ هذه الليالي في طلب "العفو" الذي هو مقامٌ يجاوزُ مجرد الصفح؛ فهو التطهيرُ الوجودي الذي يمحو ندوب الخطايا من صحائف الغيب ومن ذاكرة الروح.
 إنها دعوةٌ للتحرر من أثقالِ الماضي، والعبور نحو بياضِ الفطرة، لِيُولد الإنسانُ من جديد بقلبٍ سليمٍ وعزيمةٍ صادقة، طامعاً في قوله سبحانه: {وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ}. 
هي لحظة اعتزال فضول الشواغل ليلتفت المؤمن إلى جوهر قلبه، ويهتف مع الهاتفين: "اللهم إنك عفوٌ تحب العفو فاعفُ عني".
سكينةُ المَلأِ الأعلى: حينَ تَعانقُ السماءُ الأرض
في هذه العشر، تضيقُ الأرضُ بزحامِ الملائكةِ والروح، ويغشى الوجودَ سكونٌ مهيبٌ يقطعُ ضجيجَ الحياة الصاخب، كما وصف الحق سبحانه المشهد المهيب: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ}. هذا الحضورُ الغيبي المكثف يبثُّ في النفس طمأنينةً تجسدها الآية الكريمة: {سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ}.
 أن ليلة القدر ليلة خير وسلام لا شر فيها ولا يحدث فيها سوء، وتسلم فيها الملائكة على المؤمنين حتى طلوع الفجر. هي ليلة كلها طمأنينة وعبادة، وصفها الله بأنها سلام من أولها إلى آخرها
خاتمةُ المَسير: حِكمةُ التفريقِ والتَّقدير
تأتي هذه الليالي في ختام الشهر لتكون بمثابة "اختبار الصدق" وإعادة كتابة المصير، حيث يُقدر الله فيها مقادير العام القادم، كما قال سبحانه: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}. إنها مِيقاتُ الصادقين الذين هجروا "الاعتياد" ليذوقوا حلاوة "الاجتهاد"، فيكتُبوا فيها قَدراً جديداً، ويرسموا ملامح غدهم بريشةِ الاستغفار والدعاء والرجاء. 
هي الفرصةُ الأثمن لاستعادةِ الذات من شتاتِ الدنيا، والارتقاء بها في معارجِ القبولِ والرضوان.