الكاتب : النهار
التاريخ: ١٥ ابريل-٢٠٢٦       6050

بقلم ـ حذامى محجوب 

في وقت تتسارع فيه الأزمات الدولية وتتداخل فيه التوترات الجيوسياسية مع حالة عدم اليقين الاقتصادي، تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها استثناء في المشهد العالمي، أقرب إلى نموذج يستند إلى الثقة والاستقرار أكثر من استجابته لقلق اللحظة.

فبحسب تقديرات صندوق النقد الدولي، تتجه المملكة نحو تسجيل نمو اقتصادي يصل إلى نحو 4.5% بحلول عام 2027، وهو رقم لا يُقرأ بوصفه مجرد توقع مالي، بل باعتباره مؤشراً على مسار تحوّل عميق تشهده البلاد، يعكس متانة البنية الاقتصادية واتساع قاعدة الإصلاحات الجارية.

ورغم أن بعض التوقعات قصيرة المدى، ومنها ما يتعلق بعام 2026، قد عرفت تعديلات نزولية نتيجة ظروف إقليمية متقلبة، فإن ذلك لا يغيّر من الصورة العامة. فالدول القوية لا تُقاس بتقلبات المدى القصير، بل بقدرتها على امتصاص الصدمات والاستمرار في رسم اتجاهها الاستراتيجي دون انحراف.

ويبدو أن جوهر التجربة السعودية يقوم على هذا المنطق تحديداً: الانتقال من ردود الفعل إلى التخطيط بعيد المدى، ومن إدارة الأزمات إلى بناء نموذج اقتصادي متنوع يقلّ اعتماده على مصدر واحد، ويمنح أولوية للاستدامة والتكيّف مع التحولات العالمية.
هذا التحول ليس نتيجة ظرف اقتصادي عابر، ولا انعكاسا مؤقتا لحركة أسعار الطاقة، بل هو حصيلة مسار طويل من إعادة هيكلة الاقتصاد، ووضع الاستثمار في الإنسان، والمعرفة، والتقنيات الحديثة، والبنية التحتية في قلب السياسات التنموية.
ومن هنا، استطاع الاقتصاد السعودي أن يحافظ على توازنه أمام موجات عدم الاستقرار الإقليمي، وأن يواصل النمو في بيئة عالمية تتسم بتباطؤ في العديد من الاقتصادات الكبرى وارتفاع الضغوط التضخمية.
في هذا السياق، لا تظهر المملكة كلاعب اقتصادي تقليدي فحسب، بل كطرف يسهم في إعادة تشكيل التوازنات الاقتصادية في المنطقة، من خلال إدارة واعية للموارد، وتحرك محسوب في محيط إقليمي معقد، وإدراك واضح بأن الاستقرار شرط أساسي للاستمرار والتقدم.
كما تأتي هذه النتائج، وفق هذا المنظور، لتؤكد أن ما تحقق ليس مجرد نجاح ظرفي، بل ثمرة رؤية استراتيجية تفضّل البناء على الاندفاع، والتخطيط على الارتجال، والاستثمار على الاستهلاك السريع.
هكذا، بينما ينشغل العالم بإدارة أزماته المتلاحقة، تواصل المملكة ترسيخ مسارها الخاص، كقصة نمو تتشكل بهدوء وثبات، وتتجه نحو مستقبل لا تحدده التقلبات، بل تصوغه خيارات طويلة المدى وإرادة سياسية واضحة المعالم.