الكاتب : النهار
التاريخ: ١٢ ابريل-٢٠٢٦       7700

بقلم- امل شامان

في هذا العالم الصاخب، نميل إلى ربط الهدوء بالسلام، والصمت بالرضا، ونظن أن من لا يشتكي لا يتألم، ومن لا يتحدث لا يحمل في داخله شيئًا يُقال.

لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير… فليس كل هادئ بخير، وبعض الصمت ليس إلا صراخًا مكتومًا لا يُسمع.

هناك أشخاص يختارون الصمت، لا لأنهم لا يملكون الكلمات، بل لأنهم تعبوا من تكرارها دون أن تجد آذانًا تصغي أو قلوبًا تفهم.

يصمتون لأنهم أدركوا أن الشرح مرهق، وأن البوح لا يغيّر شيئًا، وأن بعض المشاعر أكبر من أن تُحكى.

فيختارون الهدوء كملاذ، رغم أن داخلهم يعجّ بالفوضى.

فالصمت درعًا، يحمي صاحبه من الانكسار أمام الآخرين. هو محاولة للتماسك، لإخفاء هشاشة لا يرغب صاحبها أن تُرى.

قد تراه مبتسمًا، متزنًا، قليل الكلام… بينما في داخله معارك لا تهدأ، وأفكار تتزاحم، وذكريات تثقل قلبه دون أن يجد لها مخرجًا.

ولأننا اعتدنا الحكم من الظاهر، نظلم هؤلاء حين نظن أنهم بخير فقط لأنهم لا يتحدثون.

لا ننتبه لنظرة عابرة تحمل تعبًا، أو صمت طويل يخفي ألف كلمة، أو انسحاب هادئ هو في الحقيقة استغاثة غير معلنة.

بعض الصمت ليس هدوءًا… بل احتراق بطيء.
هو تراكم خيبات، وانطفاء رغبة، وانسحاب من عالم لم يعد يمنح الطمأنينة.

هو لحظة يصل فيها الإنسان إلى قناعة أن الحديث لن يغير شيئًا، فيختار الصمت رغم حاجته للكلام.

لذلك، كن أكثر لطفًا مع الهادئين. لا تفترض أنهم بخير لمجرد أنهم لا يشتكون.

اقترب منهم بحنان، اسألهم بصدق، وامنحهم مساحة آمنة إن أرادوا الحديث.

فبعض الأرواح لا تحتاج نصيحة، بل تحتاج فقط من يسمعنا ، ننظر للرجل بأنه قوى ولا يدمع له جفن … لكنه ينهار بصمت

لانه تربى منذ صغره على أن القوة تعني الصمت، وأن الدموع ضعف، وأن الشكوى لا تليق به.

يكبر وهو يتقن إخفاء ألمه، يبتلع خيبته، ويؤجل انكساراته إلى وقتٍ لا يأتي.

فيتعلم أن يكون سندًا للجميع… دون أن يسأل أحد: ومن سندي؟

نجده لا يتحدث كثيرًا عن وجعه، ليس لأنه لا يشعر، بل لأنه اعتاد أن يكون الجدار الذي يتكئ عليه الآخرون.

يخشى أن يُثقل أحدًا بهمومه، أو أن يُفهم ضعفه على أنه عجز.

فيختار الصمت، ويضع على وجهه ملامح ثابتة، بينما في داخله ضجيج لا يهدأ.

تمر عليه الأيام وهو يؤدي أدواره بإتقان: أبًا، أخًا، زوجًا، صديقًا… حاضرًا للجميع، غائبًا عن نفسه.

يبتسم في وجه من حوله، يطمئنهم، يواسيهم، لكنه حين يعود إلى وحدته، يواجه كل ما أخفاه.

هناك، حيث لا أحد يرى، ينهار بهدوء… دون صوت، دون دموع، دون شهود.

ليس لأن الرجل لا يحتاج من يفهمه، بل لأنه لم يتعلم كيف يطلب ذلك.

لم يُمنح المساحة ليقول: “أنا متعب”. لم يُسمح له أن يكون هشًا للحظة، أن يتكئ بدل أن يُتّكأ عليه.

فاختار أن يتحمل… حتى امتلأ.

والمؤلم أن هذا الصمت يُساء فهمه. يُظن أنه برود، أو تجاهل، أو قوة زائدة.

بينما هو في الحقيقة صراع داخلي، ومحاولة مستمرة للتماسك.

خلف كل رجل صامت، قصة لم تُحكَ، ووجع لم يُفهم، واحتياج لم يُلبَّ.

الرجل لا يريد الكثير… فقط من يشعر به دون أن يشرح، من يسأله بصدق: “هل أنت بخير؟” وينتظر الإجابة فعلًا.

من يمنحه لحظة أمان، لا يُحاسَب فيها على ضعفه، ولا يُطلب منه أن يكون قويًا طوال الوقت.

لذلك… لا نتجاهل صمت الرجل
فالصمت عنده ليس دائمًا راحة، بل أحيانًا آخر ما تبقى له من قوة قبل أن ينهار، فأكثر الأصوات ضجيجا وألماً هي التي لا تُسمع ..