بقلم - علي السبع
ثمة كلمات صغيرة في حجمها، عظيمة في أثرها، تمر على الألسنة مرورًا عابرًا، لكنها تحمل في جوهرها فلسفة كاملة للحياة. ومن بين هذه الكلمات تبرز عبارة: «لو سمحت»؛ تلك العبارة البسيطة التي تبدو للوهلة الأولى مجرد صيغة مهذبة في الحديث، لكنها في حقيقتها تعبير عميق عن احترام الإنسان للإنسان، واعتراف ضمني بأن للآخر كرامةً ومكانةً تستحق فالتقدير!
فالاحترام ليس سلوكًا اجتماعيًا فحسب، بل هو موقف أخلاقي يكشف عن حقيقة النفس. الإنسان المحترم لا ينتظر منصبًا ليكون محترمًا، ولا يحتاج إلى سلطة كي يفرض حضوره، لأن الاحترام ينبع من الداخل قبل أن يظهر في الخارج. إنه انعكاس لوعي الإنسان بقيمته وقيمة الآخرين، وإدراكه أن العلاقات البشرية لا تُبنى بالقوة، بل بالتقدير المتبادل.
وفي قلب الاحترام يقف الضمير، ذلك الحارس الخفي الذي لا ينام. الضمير ليس قانونًا مكتوبًا، ولا سلطةً تراقب من بعيد، بل محكمة داخلية يحملها الإنسان معه أينما ذهب. وحين يكون الضمير حيًا، تصبح الأخلاق اختيارًا لا إجبارًا، ويصبح الخير فعلًا نابعًا من القناعة لا من الخوف. أما حين يغيب الضمير، فإن الإنسان قد ينجح في إقناع العالم بفضائله، لكنه يعجز عن إقناع نفسه في لحظات الصمت الطويلة!
ولعل أكثر ما يميز التجربة الإنسانية أن البشر لا يعيشون حياتهم على السطح كما تبدو للعيون. فخلف الابتسامات حكايات مجهولة، وخلف الوجوه الهادئة عواصف لا يراها أحد. كثيرون يمشون بين الناس وهم يحملون أثقالًا من الألم لا تظهر ملامحها على وجوههم. يضحكون لأن الحياة تقتضي ذلك، ويتحدثون بصورة طبيعية لأنهم لا يريدون أن يثقلوا على الآخرين، بينما تخوض أرواحهم معارك صامتة لا يسمع ضجيجها أحد.
لهذا كانت الكلمة الطيبة أعظم مما نظن. فالكلمات ليست أصواتًا عابرة تذروها الرياح، بل قوى خفية قادرة على البناء والهدم في آن واحد. كلمة واحدة قد تزرع الأمل في قلب أوشك على الاستسلام، وكلمة أخرى قد تترك جرحًا يبقى سنوات طويلة. والإنسان، مهما بدا قويًا، يظل كائنًا يتأثر بما يسمع أكثر مما يعترف به.
ومن هنا تتجلى قيمة الصداقة الحقيقية. فالصديق ليس من يصفق لك عندما تكون في القمة، بل من يبقى إلى جانبك عندما تتعثر في الطريق. الصداقة ليست اجتماعًا للمصالح، ولا تبادلًا للمنافع المؤقتة، بل هي حالة من الوفاء الإنساني الذي يتجاوز الحسابات الضيقة. الصديق الحقيقي يرى عيوبك فلا يفضحك، ويعرف نقاط ضعفك فلا يستغلها، ويدرك لحظات انكسارك فيمد يده قبل أن تطلب العون.
أما العلاقات التي تُبنى على المصلحة وحدها، فهي أشبه بظلال مؤقتة؛ تبدو حاضرة ما دامت الشمس في موقعها المناسب، ثم تختفي عند أول تغير في الاتجاه. وهنا يكتشف الإنسان حقيقة مؤلمة لكنها ضرورية: ليس كل من اقترب منك كان يريدك، وليس كل من ابتسم لك كان يحمل لك الود. فالحياة لا تكشف لنا معادن الناس دفعة واحدة، بل تضعهم في مواقف مختلفة حتى تظهر حقائقهم تباعًا.
ولذلك فإن قيمة الإنسان لا تُقاس بكثرة من يحيطون به، ولا بعدد الأسماء في قائمة معارفه، بل بعدد القلوب التي تبقى قريبة منه عندما تتغير الظروف وتتراجع المصالح. ففي لحظات الشدة تتساقط الأقنعة، ويظهر الفرق بين من أحبك لذاتك ومن أحب ما يستطيع أن يحصل عليه منك.
إن العالم اليوم يعاني فقرًا في الإصغاء أكثر مما يعاني فقرًا في الكلام. الجميع يتحدثون، لكن القليل فقط من ينصتون. والجميع يريدون أن يُفهموا، لكن عددًا أقل يسعى لفهم الآخرين. لذلك ربما تكون عبارة «لو سمحت» أكثر من مجرد كلمة مهذبة؛ إنها إعلان عن احترام متبادل، واعتراف بأننا لسنا وحدنا في هذا العالم، وأن لكل إنسان قصة تستحق أن تُسمع، ومشاعر تستحق أن تُراعى.
وفي النهاية، تبقى الحياة أقصر من أن نملأها بالقسوة، وأجمل من أن نهدرها في الخصومات الصغيرة. فاجعل كلماتك جسورًا تعبر فوق المسافات، لا جدرانًا تعزل القلوب. وازرع في طريق الناس لطفًا ما استطعت، فقد لا تتذكر الوجوه بعد سنوات، وقد تنسى الأحداث والتفاصيل، لكن أثر كلمة صادقة، أو موقف نبيل، أو احترام قُدم في وقته المناسب، يبقى حيًا في الذاكرة ما بقي الإنسان إنسانًا.
فلو سمحت... كن رحيمًا، فالعالم مزدحم بالمتعبين، وكن صادقًا، فالحياة أقصر من الأقنعة، وكن صاحب ضمير، لأن كل شيء يمكن تعويضه إلا خسارة النفس!